اعلان

شاهد.. سعودي يجبر كسور عظام الناس إكرامًا لإرث والده

Advertisement

نجح أجدادنا في الماضي في ابتكار أساليب تساعدهم على تخفيف آلامهم، فاستقوا من شريعتهم ما تسكن إليه الروح، وورثوا عمن سبقهم ما تضمد به الجراح، واجتهدوا فصاغوا مما هو حولهم ما تزول به الألآم. من الأساليب العلاجية التجبير العربي، وهو علاج للكسور والمفاصل المنزلقة، حيث يقوم المجبِّر بوضع خلطة معينة مكان الكسر، ثم يحاول تركيب العظام المكسورة على بعضها، وربطها بإحكام لتبقى دون تحريك لفترة معينة، وكذلك بالنسبة للمفاصل المنزلقة. ولا يزال هذا العلاج يُستخدم حتى يومنا هذا، وإن خف الإقبال عليه. وثمة أخصائيون كثر به في السعودية، توارثوا هذا العمل عن آبائهم وأجدادهم. ونال مجبر العظام الشعبي ثقة الناس في مجتمعه وهو الذي يجبر الكسور، ويصنع الدواء للعظام المكسورة أو المفصل المخلوع، ولديه معرفة وخبرة في العظام. ويعود ذلك بالطبع إلى عوامل متعددة، منها اعتماد المجبر الشعبي كثيراً على خبرته الشخصية وتجاربه الخاصة، في إعادة العظم المكسور إلى وضعه الطبيعي، قبل ربطه وتثبيته، مما يساعد على سرعة جبره.

في بيته المتواضع الذي تفوح منه رائحة زكية من الأعشاب والأشجار، والذي يؤمه الناس من كل حدبٍ وصوب في مدينة الأحساء شرق السعودية يسكن شخصٌ لا يكاد أحد إلا ويعرفه.. المجبر السعودي “طالب المؤمن” حافظ على مهنته أمام التقدم العلمي والطبي في مجال معالجة الكسور بشتى أنواعها وأشكالها، ورصد فيديو عمل المجبر الإحسائي الذي يعمل ليل نهار منذ 30 عاما على تجبير كسور من يأتي إليه من الأطفال والشباب بالطريقة التقليدية القديمة رغم توافر المستشفيات والمراكز الطبية المجانية التي تعالج الكسور بأساليب طبية حديثة بحسب العربية نت. ورث “طالب المؤمن” مهنة التجبير العربي عن والده الذي كان أول مجبر عربي في الثمانينيات ذاع صيته في السعودية وعلى مستوى الخليج والذي عمل آنذاك موظفاً في أرامكو، حيث وجد تشجيعا من رؤسائه الذين كانوا يترددون عليه للعلاج، بحسب المؤمن. وكان الأب يحرص على تواجد ابنه طالب معه أثناء قيامه بعلاج المصابين بمختلف الكسور.

ويتذكر طالب أن أول عمل قام به تجبير كسر لسيدة كبير في السن عندما كان يبلغ 14 عاما. والتحق المؤمن بدورات طبية، وقام بدوره بتعليم اثنين من أبنائه هذه المهنة “ليستمر الخير والإحسان”. يبدأ طالب بتجبير الكسر، مستخدماً أدوات بسيطة جداً، لا تتعدى الصمغ العربي بأنواعه وعشبة الموميان، ويضع قطعاً من الأخشاب الطولية المعتدلة لعمل قوائم الجبيرة، والتي تتناسب مع طول العظم المكسور ونوع الكسر، وهي غالبا ما تقطع من جذوع النخيل والأشجار، وجريد النخيل هو الأكثر استخداما وتوافرا. وبعد تثبيت القوائم الخشبية، يلف العضو المصاب بالكسر بالقطن وبقصاصات من القماش القوي. ويقول طالب المؤمن: “الكسور التي يصاب بها الإنسان تختلف بين كسور الرجال والنساء والأطفال، حيث كسور كبار السن تتطلب وقتا أطول، وكذلك المصابون بمرض السكري، حيث تتضاعف مدة علاجهم”. ويمتاز المؤمن بالبساطة وروح الدعابة، لذلك يأتي إليه المواطنون من مناطق متعددة من الأحساء وحتى من مناطق أخرى بالسعودية.

ويشير إلى أن بعض المرضى كانوا قد تعرضوا لكسور وذهبوا إلى العيادات الطبية المتخصصة، إلا أن التجبير الطبي الحديث لم ينجح وعادوا مرة أخرى إلى علاج كسورهم بالتجبير العربي فالتأمت الكسور. ويؤكد المؤمن أنه في بعض الحالات لا يتقاضى أجرا ماليا مقابل تجبير الكسور، بل يقدم العلاج مجاناً حيث يبتغي بذلك “مرضاة الله”، كما أنها وصية من والده “بتقديم العلاج للمرضى المحتاجين من دون مقابل”. المؤمن الذي يعتبر من أمهر المجبرين في الأحساء، لا يتوانى عن السفر إلى مختلف مناطق السعودية لمساعدة كبار السن والأطفال الذين يتعرضون لكسور مختلفة ولا يستطيعون الوصول إلى مكانه. ويؤكد المؤمن أنه بالرغم من تطور الطب الحديث في السعودية وتطور مستوى الخدمات الصحية، إلا أنه ما زال بعض الناس يتداوون بالطرق التقليدية في العلاج، ولهذا فإن القائمين على هذا النوع من التداوي ما زالوا يمارسون مهنتهم ويتوارثونها أبا عن جد، ولم يتراجع الإقبال على ممارستها كما هو الحال في مهن تقليدية أخرى.