انتفاضة شرعية واجتماعية لمواجهة غول الطلاق في السعودية

يُعَد ارتفاع نسب الطلاق من أبرز القضايا التي شهدت -ولا تزال تشهد- اهتمامًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة بالمملكة، وبخاصة بعدما صار الانفصال بين الأزواج قرارًا يسيرًا يتم اتخاذه في كثير من الأحيان بدون منطق أو أسباب حقيقية أو جادة، والأخطر دون التفكير في مستقبل الأسرة، وما قد يؤديه إلى تفكيكها وتدمير مستقبل الأبناء وحرمانهم من الاستقرار. وبحسب إحصائية صادرة عن وزارة العدل لشهر صفر من هذا العام، بلغ عدد صكوك الطلاق 5 آلاف و337 صكًّا.

فيما سجلت منطقة الجوف 109 حالات طلاق خلال شهر صفر. هذا ودشن ناشطون في موقع التدوينات القصيرة تويتر هاشتاقًا بعنوان “#اقترح_علاج_يقلل_نسبه_الطلاق”، تنوعت فيه المشاركات والأطروحات التي اجتهدت في وضع الحلول الممكنة للحد من تلك الظاهرة الخطيرة ولتوعية المتزوجين. ووفقا لصحيفة عاجل التي سلطت الضوء في السطور القليلة التالية على قضية ارتفاع معدلات الطلاق بالمملكة؛ إذ تبحث عن مسبباتها وأبرز الحلول الممكنة للحد منها

فتش عن مواقع التواصل الاجتماعي

أحد مأذوني الأنكحة بمنطقة الجوف فضّل عدم ذكر اسمه أرجع أسباب ارتفاع معدلات الطلاق إلى عدة أسباب؛ ذكر منها عدم وجود النظرة الشرعية عند الخطوبة التي من شأنها ارتياح المخطوبين كل منهما للآخر.

وكذلك عدّ مأذون الأنكحة المخدرات من الأسباب التي لها دور كبير في ذلك، معبرًا عن أسفه لانتشار سمها وأثرها بين أوساط الشباب. وأضاف أيضًا أن من الأسباب التي أسهمت كثيرًا في تفاقم نسب الطلاق، ما وصلت إليه المرأة اليوم وظيفيًّا؛ ما جعل المادة وراتب الزوجة سببًا للتنازع بين الطرفين، واعتبر أن التقنية الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي لها آثار سلبية، وبخاصة في حال عدم الاتزان في استخدامها.

3 أيام تأهيل لا تكفي

من جانبه، طالب المدرب المعتمد في التنمية البشرية سعد الشراري بإعادة النظر في الدورات التأهيلية للمقبلين على الزواج، مؤكدًا أن 3 أيام لا تكفي كدورة تأهيل ولا بد من زيادة الفترة حتى يستطيع الزوجان التعايش مع مراحل الحياة والتعامل مع المشكلات. وقال الشراري أإ من أسباب الطلاق عدم تأهيل الزوجين، وعلاجه هو تأهليهما بأسلوب صحيح عبر دورات يقدمها مختصون بهذا المجال. وبين أن من الأسباب المؤدية إلى الطلاق أيضًا، التدخلات الخارجية والاستماع للنصائح والمقارنات من الأهل والأصدقاء وأم الزوج وأم الزوجة وهكذا. فيما اعتبر الشراري أن سكن الزوجين في منزل أهل الزوج قد يجعلهما “أحيانًا” تحت المراقبة التامة، حتى في أمورهما الحياتية اليومية، كتنظيف المنزل والطبخ والخروج والدخول للمنزل؛ ما له أثر في حدوث المشكلات. وبين مدرب التنمية البشرية أن عدم استشعار المسؤولية من الزوجين سبب في حدوث الطلاق؛ فإذا كان أحدهما لا يعي قدر وعظم مسؤولية الزواج وتكوين الأسرة وتربية الأطفال، فالمتوقع دومًا هو حدوث المشكلات ومن ثم وقوع الطلاق. وختم الشراري قوله بتأكيد أن الطلاق رغم مرارته في بعض الأحيان، تبقى له فوائد وفضائل، وهو أمر شرعي وكذلك علاج لبعض الحالات والمشكلات.

حل مكروه ولكن..

وعلق الشيخ نايف المريحيل مدير جمعية توادّ الأسرية بالجوف، بقوله: “إن الطلاق رغم كراهته يعد في الأصل حلًّا لمشكلة أكبر في بعض الأحيان. ولكن المُطَّلع على النِسب والإحصاءات التي تصدر عن الجهات الرسمية فيما يخص الطلاق، نجد أننا بحاجة إلى إعادة النظر في أسباب وقوع الطلاق، من خلال دراسة واقع الأسر وطريقة تأسيسها وتعاطيها مع ما يعترض حياتها من مشكلات تجعلها تلجأ إلى الطلاق. وهذا ما جعل جمعية توادّ للتنمية الأسرية بالجوف تنظر إلى هذا الأمر من زاويتين رئيسيتين؛ هما :زاوية تأهيل المقبلين والمقبلات على الزواج، وزاوية دراسة واقع الأسر التي وقعت في الطلاق. أما من الزاوية الأولى فقامت الجمعية بتنفيذ عدد من الدورات التدريبية للمقبلين والمقبلات على الزواج. وهذه الدورات تهدف إلى التعريف بأربع جوانب رئيسية؛ هي: الشرعي، والاقتصادي، والنفسي، والصحي. وكذلك تُعرِّف بطبيعة الحياة الزوجية ومهارات التعامل مع هذه الحياة الجديدة للطرفين. وقد تم تنفيذ هذه الدورات بأغلب مدن ومحافظات ومراكز منطقة الجوف التي تقع تحت نطاق عمل الجمعية. أما ما يخص الزاوية الأخرى، فقد قامت الجمعية بعدة برامج للوقوف على أسباب وقوع الطلاق وتلافي المشكلات التي قد تقع على الزوجة والأبناء بعد الطلاق؛ وذلك من خلال برنامج (ابدئي حياة جديدة) لتأهيل المطلقات نفسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا؛ حيث كانت (توادّ) من غرس بذرة هذا البرنامج على مستوى المملكة، وتبنته وزارة العمل والتنمية الاجتماعية على مستوى المملكة. وأطلقت (توادّ) العام الماضي مبادرة(إكساب) التي تُعنى بأبناء وبنات المنفصلين وتحويلهم من طبقة ضعيفة مستهدفة من ضعاف النفوس إلى طبقة قوية صلبة لا تكسرها الظروف”.

هدي النبي بداية الإصلاح

أما الاختصاصية تمام هلال الكويكبي فقالت من جانبها إن كلمة “الطلاق” التي قد تبدو كلمة صغيرة الحجم، جليلة الخطب عظيمة وخطيرة.. كلمة ترعد الفرائص بوقعها.. كلمة تقلب الفرح ترحًا والبسمة غصةً؛ فكم هدمت من بيوت! وكم قطعت من أواصر أرحام! وأبكت عيونًا وروعت قلوبًا وفرقت أسرًا ومزقت شملًا! وذكرت الكويكبي أن “أسباب الطلاق كثيرة ولا يتسع المقام لذكرها، لكن نحن بحاجة إلى فهم عميق لهذه المشكلة وأبعادها على المجتمع؛ فما هي الحلول الممكنة لهذه المشكلة المتزايدة بمجتمعنا في ظل غياب دور الأسرة الكبيرة الممتدة؟! حيث أصبحنا أكثر استقلاليةً بأسر أصغر مع عدم الوعي الكامل بالاستقلالية”. وأضافت الكويكبي: “يمكننا القول إن هناك قسمين من الحلول للحد من هذه الظاهرة: حلول وقائية، وحلول علاجية. فالحلول الوقائية قبل الزواج، وبخاصة في ظل جهل الكثير بأبجديات الزواج؛ بدءًا من الاختيار الصحيح؛ فمن هدي النبي -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- اختيار الزوجة المناسبة (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وقال في حق الرجل: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقة فزوجوه، ألا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”. على هذا النحو فإن المعيار النبوي للاختيار هو: الدين والخلق. من ذلك أيضًا تأهيل المقبلين على الزواج من الناحية الشرعية التي تبين لهم أهداف الزواج في الإسلام، وما يجوز وما لا يجوز في مرحلة الخطوبة وليلة الزفاف، ويشرح لهم بالتفصيل حقوق كل من الزوجين وواجباته شرعًا، وتعرض لهم الأخلاق التي أمر الإسلام أن يتحلى بها كل من الزوجين في تعامله مع زوجه. ومن الناحية الاقتصادية، يجب توضيح أهمية المال في الحياة الزوجية واستقرارها واستمرارها. ومن الناحية النفسية أن يُشرح للزوجين أهمية مراعاة احتياجات كل منهما النفسية، وأن يتفهم كل منهما أن بينهما العديد من الفروق النفسية، ناهيك عن التأهيل من الناحية الاجتماعية الذي يُعلِّم الزوجين آليات التعامل مع المشكلات الزوجية وكيفية تعامل كل منهما مع أهل وأقارب وأرحام زوجه”. وتابعت الكويكبي: “أما الحلول العلاجية بعد الزواج، فتتمثل في القيام بالحقوق الزوجية على أكمل وجه، ومحاولة حل المشكلات الزوجية بين الزوجين، فلا تستمر أكثر من يوم إلا وقد تم علاجها، وأيضًا تعلم أساليب الحوار الناجحة وأساليب ضبط النفس بما يساعد على حل الصدامات بالطرق السلمية بعيدًا عن الطلاق، وكذلك تعلم فن الاعتذار بين الزوجين. من ذلك أيضًا استشارة أهل العلم والعلماء قبل الإقدام على الطلاق”. ورجحت الكويكبي أنه إذا أغلقت الأبواب أمام الزوجين ولم يتوصلا إلى حل، فلا بأس أن يكون هناك حكَم من أهله وحكَم من أهلها، ليحاولا الإصلاح بين الزوجين. وختمت حديثها أن أهم علاج لهذه الظاهرة، هو كثرة الاستغفار والدعاء؛ لعّل الله أن يبدل الحال إلى الأفضل.