الكشف عن 6 عوامل خلف مشروع تقسيم الشرق الأوسط

01b1c709-2f8b-4b15-8b16-f85db6f5c2d4

16 كتابا صدرت عن المطابع في الولايات المتحدة وحدها بين عامي 2014 – 2015، تناولت بشكل مباشر أو غير مباشر أوبين بين، (نهاية معاهدة سايكس – بيكو) عام 1916، وإعادة تقسيم الشرق الأوسط من جديد بعد قرن من الزمان على الحرب العالمية الأولى 1914. القاسم المشترك الأعظم في هذه المؤلفات هو تكرار ست كلمات فقط: بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة، سايكس ـ بيكو، النفط، العراق، ليس على سبيل التشابه، وإنما من باب المقارنة والمفارقة التي تصل حد التطابق بين قرنين.
في مذكرات السيناتور جورج ميتشل “المفاوض” الصادرة في مايو الماضي، يشير إلى أن أصل الصراع في الشرق الأوسط يعود إلى قرارات كارثية اتخذت في لندن وباريس قبل قرن، مثل وعد بلفور عام 1917، ومعاهدة “سايكس – بيكو” التي طرحت عام 1916.
في كتاب كريستيان كوتس ألريكسين المعنون بـ”الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط” الصادر عام 2014 عدد من المقارنات اللافتة بين ما حدث في بدايات القرنين الـ20 والـ21، وهو يقول “على امتداد القرن الـ20 استمرت الحرب العالمية الأولى تلقي بظلالها على الشرق الأوسط، بلدان ظهرت على نطاق واسع من تحت أطلال المنطقة بسبب التدخل الغربي الحديث.. العراق تحطم بعد تسعة عقود نتيجة لتجدد التدخل الغربي”. سورية المتاخمة لحدود العراق تمزقت أوصالها بالحرب الأهلية كجزء من الانتفاضات العربية بعد عام 2011 التي زعزعت أسس نظام “الدولة” ما بعد الاستعمار.
المحللون والمعلقون لاحظوا أن “الربيع العربي” يمثل الثورة العربية الثانية، أو يبشر بالتفكك النهائي لإرث معاهدة “سايكس – بيكو”.
في كل الأحوال تعود هذه المصطلحات وتحديدها على الصراع أثناء الحرب العالمية الأولى، وحركة الأحداث وتطورها أكثر من أي شيء آخر، حيث تم تحديد طبيعة الدولة التي ظهرت حديثا، من جهة أخرى، فإن قوى أكثر حداثة، القومية العربية، الإسلام السياسي، الثورات، الإرهاب، الحروب الأهلية، عقود من التنافس بين القوى العظمى والصراع العربي الإسرائيلي جعلت من هذه المنطقة وبلدانها مركزا للسياسة العالمية.
ووفقا لصحيفة الوطن في الفصل السادس من كتاب ألريكسين يسلط الضوء على هذه العبارة الصادمة “أنا المكلف بالسيطرة على كل مناطق عمليات القوات البريطانية: ولكن جيوشنا لم تأت إلى مدنكم وأراضيكم كغزاة أو أعداء، بل كمحررين”.
قيلت هذه الكلمات ليس عام 2003 عندما اجتاحت القوات البريطانية البصرة كجزء من غزو جورج بوش الابن للعراق والحرب ضد صدام حسين، ولكنها قيلت في 19 مارس 1917 من قبل القائد البريطاني في بلاد ما بين النهرين (العراق لاحقا)، الجنرال سير فريدريك مود.
لقد دشن القوس – الاستعماري في المنطقة اتفاق (سايكس – بيكو)، وأيقظ إعلان تحرير بغداد على لسان بوش، دونالد رامسفيلد أو توني بلير، هذا النوع من المشاعر التي تمتد إلى تسعة عقود سابقة من الاستعمار الغربي للشرق الأوسط.
“ألريكسين” يذكر القارئ بالترابط وأوجه الشبه بين تصاعد الاهتمام الشعبي بالغزو البريطاني لبلاد ما بين النهرين (العراق) عام 1914، والغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، بل إن (تبشــير) بريطـانـيــا العراقيين بـ”التحرير”، هذه الكلمات نفسها تقريبا و(بالحرف) التي قالها جورج بوش الابن، دونالد رامسفيلد وتوني بلير، في خطابات الحرب عام 2003.
المفاجأة التي يفجرها ألريكسين هي “لقد تم سحب عدد من أضابير المحفوظات والوثائق والمخطوطات لتعاملات ومراسلات الخارجية البريطانية بشأن بلاد ما بين النهرين بين عامي 1919 – 1920 لاستخدامها من قبل الحكومة البريطانية في فبراير 2005″، ويستطرد “صدرت مجموعة من المذكرات التاريخية التي كتبها المحاربون القدماء الذين شاركوا في الحملات العسكرية لبلاد ما بين النهرين، أحدها خصوصا، اكتسب دعاية واسعة عندما شارك السير جيرمي جرينستوك (المبعوث البريطاني السابق بأسلحة الدمار الشامل في العراق) بمداخلة نفّس فيها عن استيائه من سوء إدارة الحكومتين الأميركية والبريطانية بعد الغزو العسكري للعراق عام 2003، وفيها قال “من الفجاجة، التساؤل عما إذا كان قادة إدارة أكثر حداثة (يقصد أميركا) قد استفادوا من دراسة هذه التجربة البريطانية قبل قرن من الزمان؟”، وأنهى قوله “لا الحكومة البريطانية عام 1917 ولا قوات التحالف عام 2003 فهموا حقا ما الذي كان عليهم اتخاذه حين سيطروا على بغداد”.
يقول هندرسون “إن دول الخليج تهيمن على 42% من احتياطي النفط العالمي، أي أن هناك سببا لاهتمام البريطانيين بتلك المنطقة وهو النفط.
الاعتقاد أن الولايات المتحدة هي مصدر الشر في العالم ليس صحيحا على إطلاقه، لأن الأمور أعقد بكثير، علينا أن نبحث عن من الذي يدير الدمى من خلف كواليس السياسة في العالم.. من الذي خلق “داعش” وموّلها؟ وما الهدف من وجودها الآن وليس أمس؟.
إن داعش باختصار هي صناعة ” الأوليجارشية العالمية”، ومنوط بها تقسيم العراق إلى ثلاث دول: كردية في الشمال، حيث حقل كركوك النفطي والحكومة هناك متعاقدة من أكسموبيل، وسنية تمتد حتى سورية وتحتل الحقل النفطي في الدولتين، وشيعية في الجنوب (قد تتمدد حتى البحرين وشمال شرق السعودية) وحتى اليمن في الجنوب”.
يقول هندرسون “شركات النفط العالمية هي التي تتحكم في السياسة العالمية، وبالتالي من مصلحتها تأجيج الوضع في المنطقة والعالم، من هنا بدأت روسيا والصين أخيرا تتحركان لتجنب استخدام الدولار كعملة أساسية في التعاملات الدولية التجارية، وقد يكون هذا سبب التعجيل بعقد الاتفاق بين الولايات المتحدة والدول الغربية مع إيران، لسلخها عن روسيا والصين، لأن الدولار قد يفقد قيمته إذا قررت عائلة روتشيلد التخلي عن الولايات المتحدة والتوجه إلى الصين، وهذا يتعلق بكل البنوك العالمية والمملوكة لعائلتين تتحكمان بشركات النفط أي روتشيلد وروكفلر.. إنهم مافيا تسيطر على كل شيء حول العالم، وها هي تنشأ جيشها الخاص مثل بلاك ووتر وثاهملتون ثم “داعش”، إنهم فوق القانون ولا يحترمون الحكومات أو سيادة الدول ولا يتحملون مسؤولية أمام أي كائن، وقد يكون قرار تخلي العالم عن الدولار هو إعلان الحرب العالمية الثالثة”.
تأكيد
كلام هندرسون أكده رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية الروسي ليونيد إيفانوف “إن استمرار الشرق الأوسط غارقا في الفتن الداخلية والنزاعات الخارجية هدف أساسي. ولذلك يعمل الأميركيون على إبقاء نيران النزاعات الطائفية مشتعلة، تريد الولايات المتحدة أن تبقى سماء المنطقة ملبدة بدخان الحروب من دول البلقان وحتى باكستان، لأن هذه المنطقة تقع على مقربة من الصين وتتاخم روسيا.. بعبارة أخرى، المطلوب أميركيا من هذا المد الإسلامي – الطائفي هو أن يكون مصدرا دائما للقلاقل والاضطرابات، حيث تتحول أميركا بسهولة باتجاه آسيا والمحيط الهادئ وتقطع الطريق على أي تعاون يضر بها بين الصين وروسيا في المستقبل”.
تستطيع رصد ما يمكن أن نطلق عليه “عشريات الشرق الأوسط”، أي تعاطي السياسة الخارجية الأميركية مع المنطقة كل عشر سنوات تقريبا، وعلى سبيل المثال فإن استراتيجية الولايات المتحدة في التعامل مع الشرق الأوسط في أعقاب غزو صدام حسين للكويت عام 1990 استمرت بين جورج بوش الأب وبيل كلينتون حتى عام 2000 تقريبا لتبدأ استراتيجية جديدة أعلن عنها رسميا عام 2002 وجاءت في أعقاب فشل “كامب ديفيد 2” نهاية ولاية كلينتون الثانية، لتبدأ عشرية جديدة عام 2011 مع انفجار الربيع العربي. عام 2004 صرح الخبير في شؤون الشرق الأوسط مارتن إنديك “أن فشل كلينتون في تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل، جعل استراتيجية السلام العربي – الإسرائيلي مفتاحا للشرق الأوسط استراتيجية فاشلة أيضا، ولذا لم يبق أمام الولايات المتحدة والغرب كله سوى واحدة من استراتيجيتين: العنف والحرب والضغط السياسي والدبلوماسي، لتغيير طبيعة العالم العربي المغرقة في التقليدية والتطرف، أو الحجر (الكارنتين) الذي يمنع التطرف والإرهاب من الولوج إلى الشواطئ الأوروبية والسواحل الأميركية”.
ولأن الرئيس الجمهوري السابق جورج دبليو بوش جرب الاستراتيجية الأولى وفشل، فلم يبق أمام الرئيس الديموقراطي أوباما سوى الاستراتيجية الثانية، وهي الحجر على هذه المنطقة الحاضنة لكل الأمراض والأوبئة حتى تصفي نفسها بنفسها.
حرب استباقية
طبقت أميركا ابتداء من عام 2002 استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أعلنت موت استراتيجية الردع العسكري خلال الحرب الباردة‏ (1945 – 1989)، وبالتالي معاهدة ويست فاليا ‏1648 التي تحددت بموجبها قواعد اللعبة الدولية،‏ وانتقلت إلى استراتيجية الحرب الاستباقية أو الوقائية التي تعطي الحق لأميركا في التصرف قبل وقوع الحدث‏، وتسير وفق مبدأ‏ بالقوة العسكرية تفرض القيم الديموقراطية‏.
وكان العراق محور الارتكاز في هذه الاستراتيجية، ورأس الجسر في (تفكيك) أو إعادة تركيب الشرق الأوسط، ووفقا لهذا السيناريو كان من المفترض أن يوقف احتلال العراق انتشار الإرهاب والقضاء عليه، ويوقف زحف المد الديني المتطرف،‏ ويضعف دعم المقاومة الفلسطينية‏، ويحمل الفلسطينيين والعرب على الموافقة على مشروع سلام مع إسرائيل‏،‏ ويضع الولايات المتحدة في قلب منظمة الدول المصدرة للبترول بغية تعزيز سياسة تحديد الأسعار الخام والوضع المركزي للدولار عالميا في آن معا‏.‏
• عائلة ذات أصول يهودية ألمانية، ولقب “روتشيلد” يعني “الدرع الأحمر”.
• عملت بمجال التجارة والسمسرة.
• نقلت نشاطاتها لبناء السكك الحديدية.
• تحولت لتستثمر بمصانع الأسلحة، السفن، الأدوية.
• تشكل الحروب استثمارا بالنسبة لها وديونا على الدول.
• تمتلك شبكة علاقات قوية مع الملوك ورؤساء الحكومات.
• تملك غالبية سندات البلدان الكبيرة وغالبية البنوك العالمية.
• تتقاسم تقريبا مع عائلة روكفلر السيطرة على الخدمات المالية العالمية.
• ون دايفسون روكفلر (8 يوليو 1839 – 23 مايو 1937).
• مؤسس صناعة النفط عن طريق شركة “ستاندرد أويل” عام 1870.
• سيطر على 90% من صناعة تكرير النفط في أميركا عام 1879.
• عام 1911 فككت شركته بقرار المحكمة العليا الأميركية إلى 34 شركة.
• يعد أهم رجل أعمال في تاريخ صناعة النفط بالعالم.
تفكيك النظام القائم لبناء دول على أسس عرقية وطائفية
عام 2007، كتب ديفيد فرومكين في كتابه الأشهر “سلام ينهي كل سلام”: “إن الشرق الأوسط يحتوي على أعراق وديانات وثقافات متعددة، وكانت فكرة سايكس – بيكو عام 1916 تهدف في العمق إلى جعل دول المنطقة دولا حديثة بمعنى الكلمة، أي أن ينخرط كل هذا التنوع والتعدد والثراء في الحداثة السياسية، لكن التجربة أثبتت أن الشرق الأوسط ليس من هذا النوع.. الشرق الأوسط لا مستقبل له”.
وفرومكين يتابع هنا فكرة خطيرة قال بها السياسي الأميركي المخضرم زبجنيو بريجينسكي في كتابه “بين جيلين”، وهي تفكيك النظام الإقليمي العربي وإعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس عرقية وطائفية، ثم عاد وطورها في مقال حديث نشر في مجلة “السياسة الخارجية” استعرض فيه تداعيات السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط في أعقاب الثورات العربية 2011.
بريجينسكي كتب قبل أربعة عقود: “إن الشرق الأوسط مكون من جماعات عرقية ودينية مختلفة يجمعها إطار إقليمي يقوم على أساس فكرة (الدولة – الأمة)، والحل للصراع المزمن في الشرق الأوسط هو تحوله إلى كانتونات طائفية وعرقية يجمعها إطار إقليمي (كونفيدرالي)، وهو ما سيسمح للكانتون الإسرائيلي أن يعيش في المنطقة (في سلام) بعد أن تصفى فكرة القومية”.
وحسب مستشار أوباما السابق للأمن القومي توم دونيلون “فإن هذا سيتيح للولايات المتحدة أن تترك “الشرق الخطأ” الغارق بنيران الفتن وتتحول باتجاه آسيا (والشرق الأدنى)، بعد أن “ابتليت” -على حد تعبيره- على مدى العقد الماضي بالحرب في العراق وأفغانستان، فضلا عن “فوبيا الإرهاب وتنظيم القاعدة، و”مخاوف” السلاح النووي في إيران التي قد ينهيها الاتفاق التاريخي في 2015.
هل فعلا لم تدرك بريطانيا عام 1917 والولايات المتحدة عام 2003 ما كان عليهما فعله في العراق صاحب ثاني أكبر مخزون نفطي بعد السعودية؟.
قبل عام من توليه منصب نائب الرئيس الأميركي، أعلن ديك تشيني في لندن أنه “بحلول 2010 سنحتاج نحو 50 مليون برميل إضافي في اليوم، ورغم تقديم عدد من مناطق العالم فرصا نفطية كبيرة، يبقى الشرق الأوسط بما لديه من ثلثي نفط العالم وأدنى تكلفة في الإنتاج، المكان المميز الذي يضم الكنز”.
عبارات تشيني كانت مجرد ترديد لصدى تصريح شهير آخر، صدر قبل 100 عام تقريبا، عن أحد أعضاء مجلس حكومة الحرب للإمبراطورية البريطانية العظمى، فقد خط الوزير موريس هانكي مذكرة عام 1918 جاء فيها “سيحتل النفط في الحرب التالية مكانة الفحم في الحرب الحالية، أو على الأقل، سيحتل مكانة مشابهة لمكانة الفحم. والمصدر الرئيس الكبير المحتمل الذي يمكننا وضعه تحت السيطرة البريطانية هو الواقع بلاد ما بين النهرين، وتصبح السيطرة على هذه المصادر النفطية هدفا حربيا بريطانيا من الدرجة الأولى”.
عام 1925، تم إبرام عقد امتياز بين الحكومة العراقية المنصبة من قبل بريطانيا، وشركة النفط التركية (أعيدت تسميتها لاحقا لتصبح شركة النفط العراقية). وكانت ملكية هذه الأخيرة مشتركة بين الشركات التي أصبحت تسمى لاحقا شيل، وبريتيش بتروليوم، وإكسون موبيل، وتوتال، وهي نفسها بعض الشركات التي تدفع الآن نحو (تقسيم العراق).
هذه الشركات العملاقة تقف وراء الحرب الدامية في الشرق الأوسط من العراق وحتى ليبيا مرورا بسورية وغيرها من دول المنطقة، حيث يؤكد الخبير الأميركي في الشؤون الإيرانية دين هندرسون “إن الصراع البريطاني الأميركي في الشرق الأوسط لم ينته مع اتفاقية (سايكس – بيكو) التي قسمت المنطقة، بل يتجدد باستمرار ويتجسد في سعي شركات النفط الأميركية والبريطانية للحصول على مكاسب كبيرة من الدول الغنية بالنفط التي تستحوذ على قرابة 40% من النفط في العالم، وهي التي تقاسمت نفط العراق حسب المناطق في السابق قبل أن يقسم البلد إلى ثلاث دويلات”.