مهندوف: أرادوني هدفًا لبراميل الأسد

g

المقاتل “مهندوف”؛ يواصل في هذه الحلقة استكمال سرد رحلة تهريبه إلى الأراضي السورية عبر الحدود مع تركيا، بعد أن كشف في الحلقة الأولى أمس عن تجاوزه حدود أربع دول من أجل الوصول إلى ساحات القتال.
لاحظت على مهندوف أن سرد الذكريات بالنسبة له أمر مؤلم، فكلما استرسل في الحديث توقف برهة من الزمن، وسرح بعيدًا وهو يردد “سبحان الله.. استغفر الله.. وين وصلنا؟”، خاصة عندما يكشف في هذه الحلقة قصة إسكانه داخل مقر الكتيبة، وتهيئته عسكريا وتسليمه “كلاشنكوف”.
وقبل أن نخوض في تفاصيل الحوار، أشير إلى الجدل الواسع الذي احتدم أمس بين السوريين أنفسهم، خصوصًا المقاتلين عبر صفحات فيس بوك وتويتر، كردة فعل أعقبت نشر الحلقة الأولى من الحوار، فضلاً عن الرسائل التي تلقيتها عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف المحمول، تؤكد التناقضات وإرتباك الأخلاقيات التي فضحها مهندوف في الحلقة الأولى من الحوار، وكان مقابل اتهامنا من قلة بـ”الإدعاء” توالت علينا أصداء إيجابية تؤكد على أهمية تنوير عقول شبابنا وتحصينهم من الانجراف وراء الدعوات الباطلة.
دعنا نستعيد الحكاية.. أنت الآن وصلت أنطاكية للقاء الشخص السوري الذي نسقت معه سلفا.. فماذا حصل هناك؟
– عند نزولي من مواقف سيارات الأجرة في أنطاكية استقبلني أربعة شباب، جميعهم سوريون، بما فيهم الشخص الذي كنت أنسق معه، إلا أن السائق تركي الجنسية ومن سكان أنطاكية، ويتكلم باللغة العربية، التقينا للمرة الأولى وتبادلنا السلام، وصار ذاك المنسق يعرفني على الشباب الذين معه قائلاً “هذا نسيبي، وهذا جاري ساكن في نفس المنطقة اللي حنا فيها بسورية”، فرحبوا بي، وأول شيء صنعه ذاك المنسق أن طلب مني جواز السفر الخاص بي وأوراقي الثبوتية، فسلمتها إياه بحسن نية، بعدها اصطحبوني معهم إلى قرية على الحدود، ودخلنا في بيت ريفي، وقدموا وجبة الإفطار، وبعد الإفطار أفسحوا لي المجال للاستحمام وتغيير ملابسي، وأبلغوني بقدوم شخص آخر بعد ساعة، مهمته تهريبي إلى الأراضي السورية، وأعلن المنسق “ساعة ويجينا المهرب وندخل سوريا”.
ماذا كان في حقيبتك تحديًدا.. مثلاً كم كمية الملابس التي حملتها معك؟
– حملت بعض أغراضي وجميع أوراقي، على اعتبار أنني ذاهب بلا عودة.
بلا عودة؟
– نعم بلا عودة، بمعنى أنني ذاهب ذاهب، وأنا اتخذت القرار على أنني “رايح ما عادني راجع نهائيا”.
عندما تقول بلا عودة.. هل تعني بذلك أن تنتهي حياتك في القتال وتعتبر نفسك “شهيدًا”؟
– كان هذا هو الهدف بعينه، لكسب آخرتي، وكنت أؤمن بأن الدنيا لا فائدة منها، كنت في حالة يأس مطلق، فالدنيا لم أستفد منها شيئا نهائيا.
أكمل.. هل بدلت ملابسك في ذاك البيت الريفي؟
– نعم، أفطرنا وغيرت ملابسي، ومكثنا في ذلك البيت ساعتين، وليس ساعة واحدة كما قال في السابق، وبعدها جاء المنسق وقال “يلا.. حنا رايحين للحدود مع سوريا”، فركبنا مع المهرب، الذي وصل بدون عذر متأخرا عن موعده ساعة كاملة، وسلكنا طريقا سريعا بجوار نهر، إلى أن دخلنا في غابة كبيرة، فتوقف السائق وقال “أكثر من كذا ما أقدر أمشي، والآن أنتم كملوا المشوار مشي”.
وأين موقعكم بالتحديد.. داخل الأراضي التركية أم السورية؟
– على نهاية الحدود التركية، ولم ندخل بعد الأراضي السورية، وكنا في منطقة وعرة جدا، حيث سلكنا مع المهرب في البداية طريقا معبدا، إلا أننا أمضينا مسافة على طريق ترابي تحفه الأشجار من كل مكان، فقال الشخص المنسق “يلا بنكمل مشي”، فنزلت ومعي شنطتي وأغراضي، وصرنا نمشي مسافة تقارب الكليو ونصف الكيلو متر، وبدأت ألاحظ وجود حياة في الموقع، فصرت أشاهد أطفالا وعجائز وشبابا ومسنين “ناس رايحين جايين”، وبعد أن كنا نمشي بين الأشجار، قطعنا طريقا صغيرا “مسفلت”، وبعد دقائق توقف المنسق، وصافحني وقال لي “مبروك.. أنت الآن داخل سوريا”.
هل لا يزال معكما الشباب السوريون المرافقون.. أم أنت وهو فقط؟
– نعم، ما زالوا معنا، وغادر المهرب التركي، وصرنا نسير داخل الأراضي السورية، فواجهنا قناة تخرج من نهر العاصي فقطعناها، وهناك يوجد مخيم للاجئين، فشاهدت الأسر والأطفال والنساء حول المخيم، وكلما خطونا قليلا توقف الشباب الذين يصطحبوني للسلام على زملاء آخرين لهم في الموقع، تبدو هناك معرفة سابقة بينهم، وهناك بعض مخيمات أعدت لأغراض تجارية، حيث يبيع داخلها السوريون القهوة والشاي ووجبات أيضا، فتوقفنا وطلبوا قهوة، وفيما كنا جالسين عند بائع القهوة قال المنسق “أنا باتصل على شخص يجي ياخذني”، فاتصل، وبعد ساعة إلا ربع (45 دقيقة) وقفت عندنا سيارة، ونزل منها شخص يرتدي زيا عسكريا، ويحمل سلاحا رشاشا.
قد نقول أن الوقت الآن أصبح ظهرًا.. أليس كذلك؟
– بلى، الظهر تقريبا.. فسلم علي ذاك الشخص وعلى الشباب، وركبنا معه في السيارة، وطوال الطريق يعرفونني على المواقع والمناطق التي نمر بها، إلى أن وصلنا بلدة اسمها «الغسانية» بمدينة جسر الشغور، تابعة لمحافظة إدلب، وبعد السير لمدة 10 دقائق، بدأت أشاهد حواجز عليها مسلحون وسيارات مجهزة بأسلحة وذخائر، قالوا لي إن هذه حواجز الجيش الحر، والمناطق كلها محررة، وصرت أقرأ على الحواجز والبنايات أسماء الكتائب، فأيقنت أنني الآن داخل ساحات قتال.
وحتى الآن أنت لا تعرف إلى أين ذاهب؟ ولا إلى أي كتيبة سوف تنضم؟
– لا أعلم أبدًا، حتى أن المنسق قال لي سوف أضمك إلى الكتيبة التي أتبع لها.
ولم يفصح لك عن اسمها؟
– لم يقل لي شيئا، ولكن لم أمانع أنا لأن الاسم ليس مهما بالنسبة لي.
وهل يعقل أن تذهب دون معرفة اسم الكتيبة ولو على الأقل من خلال مشاركات المنسق على فيس بوك؟
– أنا اندفعت بمجرد أنني تأكدت من انتمائه للجيش الحر، بعد وصولي عرفت كل شيء.. فالمهم صرنا نعبر من خلال الحواجز فبعد كل 200 متر إلى 300 متر نواجه حاجزًا، والمسلحون الواقفون على الحواجز يسألون المارة لمعرفة حقيقتهم، وهذا ما حصل معنا.
وما الحوار الذي يدور بينكم عند كل حاجز؟
– أنا لم يدر بيني وبين أولئك المسلحين عند الحواجز أي حوار، بل كان يحدثهم الشباب الذين يقلوني معهم “يتكلمون وأنا ساكت”.
وهل عرفوا أنك سعودي؟
– نعم، أبلغوهم بذلك.
هل تتذكر عدد الحواجز التي عبرتم من خلالها؟
– نعم، أربعة حواجز، وواصلنا المسير حتى بلغنا منطقة مرتفعة على رأس جبل، وهناك توقفنا عند بناية من ثلاثة طوابق، فقالوا “وصلنا الآن.. هذا مقر الكتيبة.. الله محييك”، وصاروا يسلمون علي ويقولون «الحمد لله على السلامة»، وأنا بادلتهم السلام والعبارة ذاتها.. دخلنا البناية ووجدت أن قادة الكتيبة وأفرادها موزعون على شقق الطابق الأول والثاني فقط، وفيما كنت في الطابق الأول (الأرضي)، وجدت غرفة بها أدوات نظافة وبجانبها مجلس، فدخلت المجلس ووجدت فيه حوالي عشرة أشخاص، جميعهم سوريون، فاستقبلوني بحفاوة، وسلموا علي، وبدأوا يشرحون لي أوضاعهم، وماذا يجري لهم، وقالوا “كل شيء ينقصنا، فينقصنا الرجال والمال والغذاء، ونمر بحالة تنكيل من النظام”، فسمعت من الكلام ما أثار مشاعري كثيرا.
وطوال هذه الجلسة .. لم تواجه أي سؤال من أحد هؤلاء العشرة؟
– بلى، يتردد كثيرا سؤالهم عن الأوضاع المالية التي تخصني “وكل شوي يسألونني عن الأوضاع المالية، كيف وضعك المالي؟” فشرحت لهم الوضع وقلت لهم “يا عيال الحلال، أنا لا أملك شيئا نهائيًا، والله يعلم أنا كيف وصلت هنا، لكنني والله لا أملك شيئا أغلى من نفسي، أما المال فلا أملكه”، فطلب مني أحدهم إجراء اتصالات بمعارفي لتحويل المال، فأجبتهم وأنا صادق معهم لأبعد حد “والله ماني خابر شي الحين”.
وما شعرت أن الموضوع يبدو فيه شيء من الاستغلال؟
– الوضع بالنسبة لي حينها كان طبيعيا، فأنا توجست قليلا، ولكن قدرت ذلك بأن هؤلاء يعانون من ظروف تضغط على حياتهم واستقرارهم، فهم فهموا الآن أنني لا أملك شيئا بالفعل.
وما ردة الفعل التي لاحظتها حينئذ على وجوه عناصر الكتيبة؟
– أول ردة فعل كانت من قائد الكتيبة، فكان في البداية يتبسم في وجهي كثيرًا، وبعد أن أوضحت عدم قدرتي على دفع المال تغيّر تماما، وصارت نظراته نحوي غريبة.
ما عاد هنالك ابتسامة؟
– أبدا، فأحسست فعلا أن الشخص تغير علي، فقال قائد الكتيبة لأفراد “خذوه، وأعطوه الدور الأخير”، فحملوا الشنط، وأصعدوني إلى الطابق الثالث الأخير.
كم شقة في الطابق الواحد؟
– شقتان.
وكم غرفة في الشقة؟
– غرفتان وصالة، والشقة التي أنزلوني فيها كان الزجاج يغلب على حيطانها، فصرت أتأمل المشهد من الشقة، وأراقب الغابات والبنايات، وهناك جلست أقرأ القرآن الكريم، وصليت، ومن ثم نزلت إلى الأسفل، حيث يوجد الشخص المنسق الذي تواصلت معه سابقا، وليس لأفراد الكتيبة علاقة بشؤوني غيره هو، حيث يتكفل بالتواصل معي، وإيصال الأكل إلى شقتي في الأعلى، ويسأل عن ما يلزمني من أمور.
هل أحضر لك الغداء أم لا؟
– نعم، أحضر الغداء وتغدى معي.
ماذا كان الغداء؟
– كان شربة عدس مع فتة خبز، وجلست بعد الغداء في خلوة مع النفس، أقرأ القرآن وأحدث نفسي، وبعد ساعتين جاء المنسق وقال “يلا نطلع برا نغيّر جو”، فخرجنا وسرنا في أرجاء الغسانية، وهناك أطلعني على آثار القصف على المباني، وكان كل شيء واضحا أمامي، فالطابق الأخير من كل المباني منهار أو آيل للسقوط، بسبب البراميل التي يلقيها النظام على المنازل.
هل أدركت الآن لماذا أنزلوك في الطابق الأخير؟
– يا سلام عليك (يضحك).. أنا الآن حللت الموقف، وبدأ الشك يساورني بشكل جدي، وبدأت أشعر بأن هناك شيئا قادما، ومع ذلك هونت على نفسي، وأحجمتها عن التسرع لحين فهم الوضع أكثر.
أين وصلتم في الجولة؟
– كانت جولتنا في المنطقة المحيطة بمقر الكتيبة فقط، وقبل عودتنا إلى المقر ألح على الاندماج مع عناصر الكتيبة وقال “لازم تحكي وتضحك”، لأنه لاحظ علي أنني منطوٍ داخل الغرفة، وعندما عدنا أسدل النهار ستاره، وصرت وحدي في الشقة، بينما هو في شقته في الطابق الأول، فخلدت للنوم لتنتهي أول ليلة «جهادية» لي.
نمت الساعة كم؟
– نمت مبكرا في حدود الساعة السابعة مساء، لأنني كنت متعبا للغاية، فأنا أحمل عناء السفر والطريق، ولم أنم كثيرا في الحافلة التي أقلتني من اسطنبول إلى أنطاكية، فالمهم حطيت راسي ونمت، واستيقظت عند صلاة الفجر، وصليت وحدي، إذ لم أسمع حركة توحي بأن هناك أحدًا مستيقظًا في البناية، وعند الساعة الثامنة جاءني المنسق.
بالمناسبة.. كم يبلغ هذا المنسق من العمر؟
– أنا أقدر أنه في الخامسة والثلاثين من عمره.
أكمل.. ماذا بعد أن جاءك؟
– قال لي الآن سنذهب إلى السوق كي نجهزك عسكريا، ونشتري لك أحذية.
تقصد (بسطار)؟
– نعم، البسطار العسكري.
ورداؤك كان عسكريا أم ماذا؟
– ما زلت أرتدي الزي المدني الذي كان معي واشتريته من المملكة.
هل أفهم من كلامك أن البلدة مأهولة وبها أسواق ومتاجر؟
– في البداية لم أشاهد سوى كتائب للجيش الحر، فالوضع أقرب للاحتلال، فكل كتيبة تجد بناية مهجورة بلا سكان تستحلها وتتخذها مقرا لها، وجميع البنايات في تلك البلدة ليس فيها أحد من سكانها المالكين، خصوصا أن هذه المنطقة أغلبها مسيحيون، هربوا بسبب الحرب وتركوا الكنائس والبنايات خاوية وراءهم.. سبحان الله.. سبحان الله.. استغفر الله.. سبحان الله يا أخي “وين وصلنا؟”.
يبدو أنك سرحت بعيدا؟
– لولا هذا الحوار لما استعدت كل هذه الذكريات..
تلك مرحلة وانتهت.. كنت تتحدث عن ذهابك للسوق.
– نعم، قال لي نشتري لك أحذية، ونزلنا إلى الطابق الأول، فدخل شقته، حيث يسكن هو وزوجته وأطفاله، وخرج محملا بسلاح، وقال لي «تفضل، هذا سلاحك».
ما نوع السلاح؟
– رشاش من نوع «كلاشنكوف».
وصل الحال إلى أنكم تتأهبون للتسوق بسلاح؟
– نعم، فأردفني معه في “دباب” يملكه هو، وكان الوضع نفسه نمشي والبنايات مدججة بالكتائب، وعندما بلغنا وسط البلدة وجدنا رجالا ونساء في السوق، ولكن الحركة غير طبيعية، فالكل في حالة ترقب وهلع، حتى أن الباعة يقفون عند أبواب المحلات، فهناك الكل يمشي بسلاحه، وفجأة تمر سيارات منصوب عليها أسلحة ذات عيارات ثقيلة، فالمنطقة منطقة حرب.. فدخلنا واشترينا الحذاء.
مَن دفع قيمته؟
– هو المنسق.
كم كان سعره؟
– كان بسعر 150 ليرا سورية.
أي عشرة ريالات؟
– تقريبا..
لاحظت على مهندوف يستغرق كثيرا في التفكير، وبين فترة وأخرى يكرر علي جملة “وين وصلنا”، إذ يبدو متأسفا على تلك التجربة ولا يريد استحضارها، فحاولت إخراجه من هذه الأجواء وطلبت أن نغير المكان لطاولة أخرى.. وهناك سألته:
تبدو الأحذية رخيصة إذا فعلاً هي بعشرة ريالات.. فالأسعار ليست أسعار حرب؟
– (يضحك) أي والله رخيصة.. أرخص حذاء. بعدها ذهبنا إلى محل آخر لتفصيل البدل العسكرية، ودخلنا وهناك اختار لي الزي العسكري المناسب لي، فتبين أنه أوسع من جسمي، فقال “مو مشكلة، بنروح الخياط يقيفه ويضبطه” وبالفعل ذهبنا وأنجزنا ما يتعلق بالزي.
وكم سعر البدلة؟
– والله لا أذكر.
بماذا شعرت وأنت ترتدي البدلة العسكرية في ذلك الظرف؟
– كانت أول بدلة عسكرية في حياتي، فالشعور كان أقرب إلى الحلم “وأنا تارك الأمور تمشي مثل ما تمشي”، لبست البدلة مع الحذاء والسلاح فاكتمل كل شيء، وأنا الآن “مجاهد رسمي”، فعدنا.. وعند وصولنا إلى المقر حصل لي موقف مع قائد الكتيبة

المصدر: صحيفة عكاظ

شاهد أيضًا:
مهندوف يفضح حقيقة القتال في سوريا: أدعياء الجهاد أنسوني أمي
سعودي خمسيني يُحرِّر قرداً من العبودية في باكستان
فيديو: أهالي القصيم يرفعون دعوة ضد وليد الفراج.. والمحامي: لديه فرصة للاعتذار