“سياسة المراحل”.. نصيحة أسداها الملك عبدالعزيز لـ”بورقيبة” فتحولت لسياسة تحرر وخطة عامة لتونس

درجت تونس على توقير زعيمها الوطني وأول رئيس لها الحبيب بورقيبة منذ وفاته عام 2000، وفي إحدى سنوات إحيائها لذكرى رحيله، نظمت ندوة عن “مزايا سياسة المراحل”، التي اتبعها “بورقيبة” في تحقيق التحرر الوطني لتونس عن الاستعمار الفرنسي، والتي تكللت بإعلان الاستقلال التام لتونس عام 1956، وذكر أحد المؤرخين التونسيين المشاركين في الندوة، أن “سياسة المراحل التي انتهجها الزعيم الحبيب بورقيبة ورفاقه، انطلقت من قراءة موضوعية للواقع ودراسة معمقة لموازين القوى على الصعيدين الداخلي الخارجي كما تجنبت المغامرة ومزجت بين المقاومة والعمل السياسي”، والإشادة بعمق وواقعية الرؤية التي انبثقت عنها سياسية المراحل تذهب إلى الشخصية التي طرحتها في الأصل، ولا تتوقف فحسب عند المنفذين لها، والآخذين بمنطقها في تقرير مصير تونس خلال حقبة الاحتلال الفرنسي.

تدرج الهدف

ويدرك التونسيون جيداً ما لسياسة المراحل من فضل في تحقيق استقلالهم، ويتناقلون الوعي بمزاياها جيلاً بعد جيل، كما يعترفون بالفضل في طرحها للملك عبد العزيز آل سعود، الذي نصح “بورقيبة” بانتهاج سياسة المراحل في الكفاح ضد المستعمر الفرنسي خلال اللقاء التاريخي، الذي جمعهما عام 1948 قائلاً له: “امشِ بتؤدة من أجل الاستقلال، ولا تفعل مثل بقية العرب، العرب يتجاهلون الخلافات ثم ينهزمون، ولمواجهة فرنسا عليك بخطة الكر والفر واعتماد المراحل من أجل إرهاقها، والعبرة بالخواتيم”.

وانطلاقاً من تلك النصيحة التي أسداها الملك عبد العزيز إلى “بورقيبة” تأسس ما سمي لاحقاً بسياسة المراحل، التي باتت جزءاً من تجربة “بورقيبة” في الكفاح ضد المستعمر وحكم تونس، ولقد سلط الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الضوء من جديد على دور الملك عبد العزيز في استقلال تونس، وكشف في أكثر من مرة عن فحوى ما دار بين الملك عبدالعزيز والزعيم بورقيبة حول “سياسة المراحل”، وقال خلال استقباله لولي العهد الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارته لتونس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي: “نحن مشغولون في تونس بسياسة المراحل، وسياسة المراحل من تخطيط الملك عبدالعزيز، لذلك فعلاقاتنا بالسعودية علاقات مميزة، والحمد لله أن الأبناء جاؤوا في مستوى تاريخ الأب”.

الدلالات التاريخية

ولم يكن للسعودية أي دور في الكشف عن علاقة الملك عبدالعزيز بـ”سياسة المراحل” التي تبناها “بورقيبة”، فإماطة اللثام عن المعلومات المرتبطة بهذه السياسة، واللقاء التاريخي الذي سيقت فيه جاءت من الجانب التونسي ممثلاً في الرئيس “السبسي”، ما يُرجح أن المسألة برمتها كانت متوارية عن الذاكرة السعودية، كما لم تكن مرصودة بالقدر الكافي بالنسبة للأرشيف السعودي أيضاً، وبناء على ذلك، طلب الملك سلمان من الرئيس السبسي نسخة من محضر اللقاء التاريخي بين المؤسس و”بورقيبة”، وقد أرسلت إلى خادم الحرمين الشريفين بالفعل. ولا تقتصر دلالات “سياسة المراحل” على سياقها التونسي في حد ذاته رغم أهميته، إذ تشير في نطاقها الأوسع إلى اهتمام الملك عبدالعزيز بقضايا تحرر بلدان الوطن العربي، وإسهامه بشكل فعال في دعم تحرر العديد من الدول، سواء بمساندة مطالبها العادلة في الاستقلال وتقرير المصير، أو بدعم قادتها الوطنيين من أمثال “بورقيبة” مالياً وسياسياً لتحقيق الاستقلال من خلال الكفاح الميداني والعملي.