التآمر على الذات .. لماذا تتخلى دولة طوعاً عن عملتها الوطنية؟

في التاسع من يناير من عام 2000 صدم رئيس الإكوادور “جميل معوض” العالم بإعلانه تخلي بلاده عن عملتها المحلية الـ”سوكري” واعتماد الدولار الأمريكي بدلاً عنها كعملة رسمية للبلاد. على مر التاريخ، شاهدنا قوى استعمارية كبريطانيا وهولندا تجبر بلداناً على استخدام عملات بلدانها الأم. وشاهدنا أيضاً قيام الصين والعديد من الدول الآسيوية بربط عملاتها المحلية بالدولار، وهناك أيضًا بنما التي جعلت الدولار الأمريكي عملة رسمية إلى جانب عملتها المحلية. لكن قرار الإكوادور ليس له مثيل في التاريخ. فما حدث ببساطة هو أن هذه الدولة اللاتينية اختارت طوعاً في غياب أي ضغوط خارجية أن تستغني عن عملتها الخاصة وتستخدم عملة بلد آخر. هذا لم يحدث إلا في الإكوادور، التي رأسها في العقدين الأخيرين أكثر من 10 رؤساء!

الدولار يطيح بالرئيس

على الأغلب لم يفكر أحد في الإكوادور في تبعات هذا القرار أو عواقبه. ففي محاولة لدعم اقتصادها المهترئ وإنقاذ نظامها المصرفي المتعثر، فقدت الإكوادور إلى الأبد استقلالها النقدي، وضحت بحقها في طباعة أموالها الخاصة حين لجأت إلى الدولار. عملة الإكوادور اليوم، هي الدولار الأمريكي. وبالطبع الولايات المتحدة وحدها هي من تستطيع طباعة الدولار. وهذا يعني أن الإكوادور عليها أن تعتمد على شركاتها لكسب ما يكفي من الدولارات من مبيعاتها في الخارج، وإلا ستفتقر البلاد إلى الكمية الكافية من الدولارات اللازمة لإدارة الدولة. على الرغم من أن هذا القرار كان بمثابة علامة فارقة في تاريخ الإكوادور إلا أن دلالاته أعمق من ذلك بكثير. فهو بشكل ما يؤكد حقيقة يدركها العالم منذ عقود وهي أن الدولار الأمريكي دون غيره هو عملة العالم وليس عملة الولايات المتحدة فقط. الدولار هو الرمز الأكثر قوة لأمريكا وأثمن أصولها.

لم يستمر الرئيس “معوض” طويلاً ليرى تبعات قراره الجريء على اقتصاد البلاد، حيث إنه سرعان ما اندلعت مظاهرات وحركات تمرد ضده بسبب خطوته المثيرة للجدل، لتتم الإطاحة به في الحادي والعشرين من الشهر ذاته، أي بعد نحو أسبوعين فقط من إعلانه القرار. وبعد أن أحكم قبضته على السلطة، اضطر الجيش للتخلي عنها تحت ضغوط من الأمريكيين، ليفسحوا الطريق أمام نائب الرئيس المطاح به “جوستافو نوبوا” ليصبح رئيساً للبلاد. على عكس ما توقع الجميع، لم يتراجع الرئيس الجديد عن القرار الذي اتخذه “معوض” وقرر المضي قدماً في خطوة الدولار. وفي مارس 2000 صادقت الحكومة الجديدة بقيادة “نوبوا” على القرار باعتماد الدولار عملة رسمية للبلاد.

مفاجأة .. لا توجد خطة!

تم إخبار الإكوادوريين بأن لديهم مهلة قدرها 6 أشهر لمبادلة حيازاتهم من الـ”سوكري” بالدولار الأمريكي، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة ستصبح عملتهم المحلية التي يقترب عمرها من 115 عاماً مجرد ذكرى. فجأة، عاد صندوق النقد الدولي الذي لطالما انتقد السياسة المالية والاقتصادية للإكوادور ليستأنف إقراض البلاد مرة أخرى، وذلك بعد فترة وجيزة من اتخاذ الدولة اللاتينية لتلك الخطوة. حصلت الإكوادور من الصندوق في البداية على 304 ملايين دولار، وهو القرض الذي فتح الباب أمام حصولها على حزمة قروض أخرى بقيمة إجمالية تقدر بنحو 1.7 مليار دولار من مؤسسات أجنبية أخرى مثل البنك الدولي.

المشكلة الأكبر التي واجهت الإكوادور هي أنها كانت طوال الوقت ترتجل، فلم تكن هناك خطة لأي شيء. هذا التخبط عبر عنه الرئيس السابق للبنك المركزي الإكوادوري ” إدواردو مولينا” حين قال: “ما كنا نحاول فعله كان أمراً غير مسبوق. فلم يكن هناك أي نموذج للاقتداء به.” اتخذ هذا القرار في غياب أي نقاش مجتمعي أو دراسات وطنية. بل إنه حتى تم تجاهل الدراسات التي قام بها أفراد مستقلون مثل تلك التي أجراها أستاذ الاقتصاد “ألبرتو أكوستا” والتي اقترح فيها بدائل لخطوة الدولار، مثل فرض ضوابط على رأس المال الأجنبي. الحكومة الإكوادورية كانت مدهشة وصادمة أيضاً حين سعت لمعرفة رأي الخبراء. فمن بين كل الاقتصاديين الموجودين في العالم، فضلت الإكوادور استشارة خبير اقتصادي فنزويلي، والذي جاء إلى الإكوادور وأقنع الحكومة بأن الدولرة هي خيارها الوحيد. يتذكر “أكوستا” أحداث تلك الفترة قائلاً: “لقد تم تقديم الدولار لنا كحل لجميع مشاكلنا. لقد قال لهم الفنزويلي إن الشيء الوحيد الذي لا يمكن للدولرة علاجه هو الإيدز”.

هل تحسن الوضع؟

حددت الحكومة سعر صرف عملتها المحلية عند 25 ألف سوكري لكل واحد دولار أمريكي. ووفقاً لبيانات المركزي الإكوادوري، تم استبدال نحو 95% من المتداول من السوكري – وهو ما عادل نحو 500 مليون دولار أمريكي – في خلال الأشهر الثلاثة التي تلت إعلان الدولار عملة رسمية للبلاد. وعلى متن مجموعة من السفن الأمريكية، سافرت حاويات مليئة بالقطع النقدية المعدنية الأمريكية، في حين نقلت عدة طائرات نحو 100 مليون دولار من العملات الورقية من ميامي إلى العاصمة “كيتو”. ووفرت هذه المبالغ مجموعة من البنوك الأمريكية. بحلول أبريل 2000، أي بعد أقل من شهرين من اعتماد الدولار، كانت معظم أجهزة الصراف الآلي في الإكوادور تعمل فقط على صرف العملة الأمريكية. وفي نفس الوقت، بدأت المحال التجارية تسعر جميع المنتجات بالدولار.

استمر الوضع الاقتصادي للبلاد في التحول من سيئ إلى أسوأ، ليقترب معدل الفقر في عام 2007 من حوالي 70% من السكان، وفقاً لتقديرات الحكومة الأمريكية. وهذا ما دفع البعض لوصف خطوة الدولرة بأنها عملية احتيال على شعب يائس. لحسن حظن الإكوادوريين، ارتفعت أسعار النفط – الذي يمثل أكثر من نصف صادرات البلاد – في الفترة ما بين عامي 2007 و2014، وهو ما ساعدها على التقاط أنفاسها قليلاً، لينخفض معدل التضخم ويتراجع معدل الفقر إلى مستويات أقل. هناك جانب آخر مهم لتلك الأزمة، وهو نظرة المواطنين لخطوة الدولرة من زاوية وطنية. فمعظم الشعب الإكوادوري شعر بأن بلاده فقدت جزءًا من كرامتها بتخليها عن العملة الوطنية التي يعتقدون أنها لا تقل رمزية عن علم البلاد. فالبنسبة لهم كان “السوكري” رمزاً لبلادهم. أفقدت الخطوة البنك المركزي الإكوادوري مكانته كملاذ أخير لإقراض النظام المصرفي للبلاد، حيث إنه لم يعد بمقدوره طباعة العملة لإنقاذ البنوك المتعثرة. لذلك، أنشأت الحكومة صندوق طوارئ دولاريا، وألزمت البنوك المحلية بوضع 1% من قيمة ودائعها في ذلك الصندوق.

ولكن في حال استنزفت موارد ذلك الصندوق، فإن البنك المركزي لا يمكنه فعل أي شيء لإنقاذ النظام المصرفي للبلاد. في الوقت ذاته، لم تؤثر الدولرة إيجابياً على التصنيف الائتماني للإكوادور، حيث إن ديونها لا تزال حتى الآن مصنفة ضمن درجة المضاربة، مما يعني أن قدرة البلد اللاتيني على الاقتراض من الأسواق الدولية تظل محدودة ومكلفة للغاية.

“الدولرة تفلسنا”

لم يبق من الدولرة إلا آثارها الجانبية أو غير المرغوب بها والتي لم يتوقعها الكثيرون. فقد تحولت الإكوادور في العقد الأخير إلى مرتع للمهاجرين غير القانونيين من بيرو وكولومبيا القادمين إليها بحثاً عن الدولار، ليزاحموا سكان البلاد حيث يعاني جزء غير ضئيل منهم من البطالة. حتى الأجانب الذين يعملون بشكل قانوني في الإكوادور، يقومون في نهاية المطاف بتحويل أموالهم إلى بلدانهم الأصلية، وهو ما يعني سحب الأموال من الاقتصاد المحلي الإكوادوري. في العام 2006، وخلال الحملة الانتخابية، لم يخف الرئيس السابق للإكوادور “رفاييل كوريا” انزعاجه من الدولرة، حيث وقف مخاطباً الصحفيين قائلاً لهم “الدولرة تفلسنا. إنها جزء من المشكلة وليست الحل.”

“رفاييل” الذي كان يعتقد أن بلاده مستعمرة بالدولار، غادر منصبه في مايو 2017، بعد ولاية استمرت 10 سنوات، ولكنه لم يفعل أي شيء حيال الأمر. فلا يزال الدولار الأمريكي هو العملة الرسمية الوحيدة للإكوادور حتى الآن. ومن غير المرجح أن يتغير ذلك الوضع في المستقبل المنظور على الأقل. في الواقع، إن الحقيقة التي فشلت في إدراكها القيادة السياسية للإكوادور حين تخلت عن عملتها الوطنية، هي أنه لا الدولار الأمريكي ولا غيره من عملات العالم يمكنه أن يحل بمفرده المشاكل الهيكلية التي أوصلت الاقتصاد إلى حالته المزرية، والتي تمثلت في الفساد وسوء الإدارة وانعدام الثقة. الأكثر من ذلك، هو أن الإكوادور إذا لم تجد قريباً حلاً لتلك المشاكل، فقد تواجه صعوبة في الحفاظ حتى على الدولار. وفي غياب عملة محلية، لا يمكن تصور العواقب.

اترك رد