الصحف الورقية السعودية تطلق نداء استغاثة أخير قبل الانقراض

يخوض إعلاميو السعودية بمختلف تخصصاتهم وتاريخهم المهني، منذ بداية العام الحالي، في نقاش واسع يستهدف إيجاد حلول للصعوبات المادية التي تواجهها الصحف الورقية العريقة في المملكة مع عزم البعض منها التوقف عن الطباعة الورقية نهائيًا في 2018 إذا لم تجد دعمًا رسميًا.

وصمدت أكثر من عشر صحف ورقية كبرى تصدر في السعودية منذ عقود، في وجه موجة إغلاقات طالت صحفًا ومجلات عالمية بسبب التكلفة المادية العالية للطباعة والتوزيع وتراجع المبيعات للقراء الذين جذبتهم النسخ الإلكترونية، وبالتالي تراجعت إيرادات الإعلان الذي يشكل عصب التمويل الرئيس للصحافة.
لكن العام الجاري شهد منذ بداياته عدة أحداث ومؤشرات تنذر بأن استمرارية تلك الصحف في الصدور الورقي أصبحت محل شك، وأن العام 2018 قد يكون عام انقراض عدد منها بالفعل على أن تنضم غالبية تلك الصحف لمصير الانقراض تباعًا مالم يتوفر لها تمويل بديل للإعلان.

نداء استغاثة

وضع الصحفي السعودي المخضرم، خالد المالك، وهو رئيس تحرير صحيفة “الجزيرة” السعودية، مستقبل الصحف الورقية في المملكة تحت دائرة الضوء في مقال رأي نشره يوم 11 يناير/كانون الثاني الجاري تحت عنوان “بيني وبين الصحافة.. الخوف عليها”.
ومنذ ذلك التاريخ، شهد الوسط الصحفي السعودي نقاشات واسعة حول مستقبل الصحافة الورقية بالنظر لمكانة المالك الذي يوصف بعميد الصحفيين السعوديين، والذي قال في مقاله إن الصحف السعودية لم تعد تمتلك الوقت والمال لانتظار حلول.
واستدعى مقال المالك الذي أطلق فيه ما يشبه نداء استغاثة للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، للتدخل وإنقاذ صحف المملكة الورقية، استدعى ردودًا وآراء واقتراحات وردت في مقالات أخرى بالصحف السعودية ومقابلات تلفزيونية ونقاشات واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن يتدخل وزير الثقافة والإعلام عواد العواد ذاته.

نتائج أولية

مثّل اجتماع الوزير العواد برؤساء تحرير الصحف في المملكة بعد نحو أسبوع من مقال المالك وردود الفعل عليه، بارقة أمل لتدخل حكومي ينقذ المؤسسات الصحفية الخاصة التي تصدر عنها الصحف الورقية الكبرى في السعودية، دون أن يظهر أي شيء ملموس بهذا الخصوص.
وورد في البيان الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية عن الاجتماع أنه “تمت دراسة سبل مواجهة الوضع المالي الذي تمر به المؤسسات الصحفية، وخرج الاجتماع بمجموعة توصيات مهمة في مجال الاستثمار للاستفادة من أصول المؤسسات الصحفية وكذلك النظر في سوق الإعلان والبحث عن المشاركة الفعالة والمؤثرة في هذا السوق..”.
ولا تحمل تلك النتائج أي جديد لما طرحه رئيس تحرير صحيفة “الجزيرة” ووافقه فيه العدد الأكبر من صحفيي المملكة المشاركين في النقاش، حول كون الصحف الورقية والمؤسسات التي تديرها قد استنفد كل الحلول المتاحة في السنوات الماضية ولم تعد قادرة على الاستمرار.
وكتب المالك في مقاله حرفياً “هناك حلول وخيارات، ولكن المؤسسات الصحفية لا تملك وحدها القدرة على أن تعالج الموقف الخطير الاستثنائي الذي تمر به الآن بعد أكثر من خمسين عاماً على قيامها، .. هذه الحلول، وتلك الخيارات، أصبحت خارج سيطرة المؤسسات، وقدرتها على التعامل معها، إذ لم يبق أمامها الكثير من الوقت، والكثير من المال، للتصالح مع هذه المستجدات، هروبًا من المستقبل الغامض”.

خطوة مبكرة

فاجأت مؤسسة اليمامة الصحفية التي تعد من أكبر المؤسسات الصحفية في المملكة، وتصدر عنها عدة مطبوعات، بينها صحيفة “الرياض” الوسط الإعلامي السعودي عندما أعلنت بعد ثلاثة أيام من اجتماع الوزير العواد برؤساء تحرير الصحف، عن نيتها التحول والاندماج الرقمي هذا العام.
وقال مديرها العام خالد العريفي في إعلان التحول “اليمامة الصحفية تستعد للتحول والاندماج الرقمي في ٢٠١٨، سنسير باتجاهين، الورقي والتقني في الوقت ذاته، وسنصنع تحولًا واندماجًا بشكل عصري ومتطور سنقرأ آراء الخبراء، ونناقش أهل الدراية والخبرة، سنسمع أصوات شباب التقنية .. لن نقف، سنتطور..”.
ورغم أن المدير العريفي أكد أن التحول الذي سيتم هذا العام لن يشهد غيابًا للورق، إلا أن كثيرًا من الصحفيين السعوديين يعتقدون أن الخطوة تعد مؤشرًا على وجود موقف نهائي لوزارة الثقافة والإعلام بعدم مساندة الصحف الورقية في محنتها المادية، فيما يتوقع آخرون أن يكون الظهور الورقي المرتقب للمؤسسة رمزيًا.

آراء متباينة

تتباين آراء الصحفيين السعوديين حول الموقف من الصحافة الورقية بين متمسك بها ومؤمن بدورها وقدرتها على الاستمرار والتأثير وبين من يرى في وجودها لحد الآن أمرًا مستغربًا واستنزافًا لموارد مالية لم تستغل في بناء صحافة رقمية تنافس الصحف الإلكترونية التي تمتلك قاعدة جماهيرية كبيرة بعد أكثر من عشر سنوات على انطلاقتها الفعلية.
ويقول الكاتب والمفكر السعودي توفيق السيف في رده على النقاش الدائر بمقالة نشرتها صحيفة “الشرق الأوسط” “معظم الذين علّقوا على مقالة الأستاذ المالك، ساندوا مطالبته الحكومة بدعم الصحف. انطلاقًا من تبرير رئيس يدور حول استمرار حاجتنا إلى وسائل صنع وتوجيه الرأي العام. في رأيي أن الصحافة المحلية فشلت في اصطياد اللحظة التاريخية التي أطلقتها ثورة الاتصالات، فانفصلت عن جمهور المستهلكين الجديد، وبالتالي لم تعد أداة فعالة لتوجيه الرأي العام”.
ويضيف السيف في مقاله الذي حمل عنوان “موعد الوفاة” “تدهور الصحف ليس ناتجًا عن ارتفاع التكاليف، بل لأن العالم الذي تخاطبه قد أفل. ولذا فإن ضخ المال فيها لن يؤدي إلا إلى تأخير الوفاة الحتمية بضعة أشهر أو بضع سنوات.التنفس الاصطناعي ليس علاجًا العلاج في تصميم نموذج جديد لأدوات صناعة الرأي العام، قادر على استيعاب التحولات العميقة في مجتمع اليوم والقيم المؤسسة له ومناهج عمله. هذه مهمة لا يستطيع أهل الصحافة القائمة إنجازها، لأنهم ينتمون إلى عالم مختلف عن عالمها”.
وعلى الجانب الآخر من النقاش، كتب رجا العتيبي في مقاله بصحيفة “الجزيرة” رأيه في النقاش قائلًا “ليس بالضرورة أن تختفي الصحف الورقية حتى تظهر الصحف الإلكترونية، ما الذي يمنع أن تكون القوتان ملك يدينا وبالطريقة التي تتماهى مع العصر، لماذا هذه المقارنة دومًا حاضرة، الزمن لم يمنع (الراديو) من المنافسة رغم قدمه في ظل وجود وسائل إعلامية بصرية أكثر إثارة، ليس من الحكمة أن نفتعل (حرب الأجيال) ونروّجها تحت أي مسمى، يبقى لكل كيان إعلامي أهميته”.
ويساند العتيبي رأيه باستشهاد عملي قال فيها “موت الصحافة الورقية يعني أن قوة وطنية قد انهارت، فعندما تقارن فعلها في أزمة قطر الأخيرة ستعرف ما يعنيه خالد المالك، قوة في الطرح احترافية في العناوين تأثير سياسي عميق، يكفي ما فعلته مقالات خالد المالك اليومية المطوّلة في الأزمة وما أحدثته في العمق القطري إلى جانب جهود الزملاء الإعلاميين في الصحف السعودية الأخرى. بدءًا من رؤساء التحرير ومرورًا بالمحررين وانتهاءً بمصممي الجرافيك”.

مستقبل غامض

لم ينته النقاش الإعلامي الواسع الذي شارك فيه عدد كبير من الإعلاميين السعوديين، لتصور واضح أو توقع لمستقبل الصحافة الورقية في السعودية، ليبقى الغموض محيطًا بكل صحيفة وما إذا كانت قادرة على تجاوز العام 2018 بطبعتها الورقية.
ورغم التراجع الحاد في عائدات الإعلان عن جميع الصحف الورقية بشكل متساو تقريبًا، والذي يشكل قرابة 85% من إيرادات تلك الصحف، إلا أن انقراضها بشكل متزامن أمر مستبعد في ظل ملكية تلك الصحف لمؤسسات إعلامية متباينة في قدراتها المالية، ما يجعل من استمرارية عدد محدود منها على الأقل ممكنًا لفترة طويلة قادمة طالما أن المؤسسات التي تمتلكها ترغب في ذلك ولديها التمويل الكافي وفقا لموقع إرم نيوز.