صورة جديدة تكشف كيف غير داعش أسلوبه الدعائي بعد الهزيمة

لا يخفى على أحد بدء تنظيم داعش محاولة تننفيذ عمليات إرهابية، للثأر من الخسائر المدوية التي عانى منها في سوريا والعراق، على يد العديد من التحالفات العسكرية الدولية. ويسلك التنظيم نهجاً دموياً للرد على الدول التي شاركت في إقصائه من البلدان التي نشأ بها، معتمداً على تنفيذ عمليات إرهابية تستهدف المدنيين في المقام الأول.

ومنذ ظهور التنظيم تميز بتواجده الإعلامي المكثف للدعاية لأفكاره، ولا تزال هذه الأفضلية من أكثر ما يتميز به التنظيم في ظل الخسائر الفادحة التي تكبدها في الفترة الأخيرة، إذ استطاع في الآونة الأخيرة الوصول إلى قلب العواصم الأوربية لنشر دعايته الإرهابية من داخلها، وكانت آخر هذه المدن التي طالتها يد داعش مدينة نيويورك الأمريكية.
ووفقاً لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية انتشرت في الفترة الأخيرة صورة لشخص يرتدي وشاح داعش، وقد استطاع إخفاء ملامحه ولكن من يقتفون أثر مكان التقاط الصورة سيدركون أنه تم التقاطها بمنتزه سنترال بارك في مدينة نيويورك الأمريكية في أثناء فصل الشتاء.

وتضمنت الصورة عبارة قصيرة بعنوان “نحن في وطنك” على القناة التابعة للتنظيم على الإنترنت بعد أيام قليلة من أعياد الميلاد، في إشارة تهديد واضحة للمواطنين، فيما لم يتمكن المتابعون من تحديد توقيت التقاط الصورة.
وعلى مدار الأسابيع الماضية انتشر العديد من الرسائل المماثلة في قلب العديد من المدن الغربية، بهدف إظهار نشاط العناصر التابعة للتنظيم حول العالم، لتوضيح مدى سهولة تنفيذ العمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين أينما وجدوا، إذ تحدث أحد العناصر التابعة للتنظيم عن طريق مقطع مماثل قائلاً: “لقد حان الوقت لحصد الرؤوس”.
ويعتقد العديد من المسؤولين الأمريكيين والمحللين، أن سقوط مدينة الرقة السورية التي كانت عاصمة الخلافة للتنظيم، وانحصار قوات تنظيم في بعض القرى الصغيرة في الصحراء السورية، لا يعد نهاية التنظيم، إذ لا يزال يعمل على حشد أتباع جدد لمواجهة الهزائم العسكرية الساحقة.
ومنذ سقوط الرقة تغير النهج الدعائي للتنظيم بشكل كبير، إذ كان يعتمد في السابق على إظهار مفاتن العيش تحت حكمه، من خلال المجلات والقنوات التابعة له، في حين تركز الدعاية الحالية على تشجيع العناصر الإرهابية على العمليات الإرهابية من خلال توضيح طرق تنفيذها.
ومن المستحيل وصف عناصر التنظيم التي تبث مثل هذه المقاطع بالمتحدثين الرسميين باسم التنظيم، بل هم مجرد منتمين للجماعة، ومثلهم مثل الإرهابيين أصحاب القنوات الإلكترونية الخاصة الذين يعملون دون تلقي تعليمات أو توجيهات رسمية، ومن خلال هذا النهج يستطيع التنظيم التغلغل في جميع بلاد العالم، دون التأثر بالضربات العسكرية أو التحالفات الدولية إذ يتم بث هذه الدعاية بعشرات اللغات المختلفة عن طريق العديد من المنصات الإلكترونية.
وهناك العديد من العلامات التي تؤكد تغيّر النهج الإعلامي الرسمي للتنظيم في الوقت الراهن، إذ أصدرت وكالة أعماق الإخبارية التابعة للتنظيم الدولي أول خطاباتها باللغة الإنجليزية منذ منتصف شهر سبتمبر الماضي.
ووفقاً لإحصائيات بثتها وكالة “سايت” للاستخبارات المختصة في مراقبة المحتويات الجهادية شهدت الأسابيع الأولى من العام الجديد رواجاً كبيراً لحسابات عناصر التنظيم بالمقارنة بالأشهر السابقة.
من جانبها، أكدت ريتا كاتز المديرة التنفيذية لوكالة سايت، على بدء التنظيم بإعادة تجميع قواه الإعلامية بعد المعاناة التي شهدها في الآونة الأخيرة على يد التحالفات العسكرية، إذ يستعد للرد من خلال حملاته الدعائية التي تعد واحدة من أخطر أسلحته على الإطلاق.
وتظهر الحملات الدعائية الجديدة مدى الصعوبة التي تواجه الحكومات والمؤسسات المعنية بمكافحة الإرهاب حول العالم، لقطع الاتصالات بين العناصر الإرهابية والمواطنين المهيئين للانضمام للتنظيمات الإرهابية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وجميع البلدان الغربية، حيث تستطيع التنظيمات الإرهابية التواصل مع أنصارها، على الرغم من دك حصون التنظيم بالدول العربية، بالإضافة إلى حظر العديد من حساباتهم الإلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بمساعدة العديد من الشركات الخاصة.
وقالت تارا مالر المحللة العسكرية السابقة بوكالة الاستخبارات الأمريكية، وهي من أبرز النشطاء في ملف مكافحة الإرهاب، إن الهزائم العسكرية التي لحقت بالتنظيم في الآونة الأخيرة لم يكن لها التأثير نفسه على مستوى الدعاية الإعلامية للتنظيم المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل هناك عمل مستمر من التنظيم الإرهابي لاستقطاب المزيد من العناصر بهدف حثهم على تنفيذ عمليات دموية داخل بلدانهم”.
وراقب العديد من المحللين الأمريكيين مدى تغيّر النهج الإعلامي للتنظيم الإرهابي منذ انهياره عسكرياً، إذ كان النهج الإعلامي للتنظيم هو السبب الرئيس في صعوده عالمياً في وقت قصير منذ ظهوره في العام 2013، نتيجة لملايين الدولارات التي رصدها لإنشاء آلة إعلامية قوية من الناحية الفنية، بالإضافة إلى تواجد مكثف عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتصدى العديد من المؤسسات التابعة للولايات المتحدة الأمريكية لمثل هذه الدعاية الإرهابية خلال ولاية الرئيس السابق باراك أوباما، وأثناء ولاية الرئيس الحالي دونالد ترامب، من خلال إرسال حملات عسكرية إلى مقرات التنظيم بسوريا والعراق، وطائرات دون طيار لتحطيم المنابر الإعلامية التابعة له، بالإضافة لقتل المتحدثين الرسميين للتنظيم. على صعيد آخر ضغطت وزارة الخارجية الأمريكية على العديد من مسؤولي مواقع التواصل الاجتماعي لإغلاق الحسابات التابعة للتنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها شبكة “اليوتيوب”؛ ما دفع العناصر الإرهابية إلى التغلغل في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي لنشر أفكار التنظيم، ونشر محتوياته لتجنيد أكبر شريحة ممكنة من المتعاطفين مع التنظيم حول العالم.
ويتضح من متابعة الحسابات الرسمية للتنظيم الإرهابي وجود حالة من التراجع الشديد في مستوى الإنتاج الإعلامي منذ سقوط مدينة الرقة السورية على وجه التحديد، إذ قلَّ عدد المقاطع المصورة التي كانت تبث على القنوات الإلكترونية بشكل كبير، بل ووصل الوضع إلى توقف بعض المنابر الإعلامية بشكل كامل مثل مجلة “رومية” التي كانت بمثابة الجريدة الإلكترونية للتنظيم.
ووفقاً لإحصائية بثتها وكالة “سايت ” للاستخبارات بلغ عدد المقاطع التي بثتها المنابر الإعلامية التابعة للتنظيم 907 مقاطع خلال شهر نوفمبر وديسمبر العام 2016، في حين بلغ عدد المقاطع التي تم نشرها في الفترة نفسها من العام الماضي 211 مقطعاً فقط، بالإضافة إلى تحليل تم نشره في السابع من كانون الثاني/ يناير العام الجاري، والذي يؤكد انخفاض المحتوى الإعلامي للتنظيم بنسبة تسعين في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2015 الذي شهد ذروة انتشار تنظيم الدولة إعلامياً؛ ما دفع البعض لاعتبار هذا التراجع في المحتوى الإعلامي بمثابة الانهيار الكامل.
ولكن أتباع التنظيم لم يقفوا مكتوفي الأيدي حيال هذا التراجع الشديد، بل قام العديد منهم بعمل مقاطع عدائية لبث الخوف في قلوب المواطنين العزل من خلال الشبكة الإلكترونية التابعة للتنظيم، إذ تم تصميمها بإمكانيات تتيح لمستخدميها مزاولة العمل، حتى في حالة تدمير موقع البث الرئيس؛ ما أسفر عن تحول أنصار التنظيم إلى ما يشبه العملاء المنتشرين بجميع البلدان الأوربية لتأكيد استمراريتهم وقدرتهم على الثأر من الهزائم التي لحقت بالتنظيم أخيراً.