أهرامات السعودية.. بريطانية تروي قصتها مع مدائن صالح: ما شاهدته لا يُصدّق!

تُعتبر مدائن صالح في العلا من أهم آثار الشرق الأوسط منذ القدم، حتى إن مؤرخين عرباً وغربيين وصفوها بأهرامات السعودية، كما استغربوا إهدار الفرصة السياحية لهذا الموقع الأثري العظيم، والذي قد يدر على الميزانية السعودية ملايين الدولارات إذا تم استغلاله جيداً، وهو الأمر الذي تنبّه له صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد؛ حيث أنشأت بعدها السعودية الهيئة العامة لتطوير محافظة العلا، والتي سيكون على عاتقها تحدٍّ كبير في تحويل هذا الموقع إلى مرجع سياحي عالمي؛ نظراً لافتقاره للبنية التحتية المناسبة.
وقبل صدور الأمر الملكي بإنشاء الهيئة العليا لمحافظة العلا، وتحديداً في شهر مايو زارتها الصحفية البريطانية مارجوري ودفيلد برفقة أصدقائها، والتي تعمل في قناة “بي بي سي” لبرنامج السفر، ووصفت ما شاهدته في زيارتها للموقع بأنه لا مثيل له، واندهشت من ضخامة القبور التي لم تتغير وما زالت سليمة من العبث، وذكرت أن المسلمين لا يزورونها؛ بسبب أنها مدينة ملعونة وحل عليها الغضب.

إمبراطورية الغموض

وتفصيلاً، تروي “ودفيلد” قصتها قائلة: “رغم أن مدائن صالح لم تحظَ بما حظيت به مدينة البتراء في الأردن من شهرة، فإن هذه المدينة السعودية التي كانت ثاني أكبر مدن الأنباط، لعبت دوراً محورياً في ازدهار إمبراطورية الأنباط التي لا يزال يكتنفها الغموض.

تلاوة الأذكار

وأضافت: “كما هو معتاد، تستهلّ الرحلة على متن الخطوط الجوية السعودية المتجهة من الرياض إلى المدينة المنورة بتلاوة الأذكار، وقال المضيف الجوي عبر نظام الاتصال الداخلي: “السيدات والسادة، ستستمعون الآن إلى دعاء السفر المأثور عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم”.
وتابعت: “وكان بقية الكلام باللغة العربية، واستمعت إلى الصوت المسجل الخفيض والهادئ وأنا أرقب من النافذة الصغيرة الصحراء مترامية الأطراف، وكنت مسافرة برفقة أصدقائي لزيارة مدائن صالح تلك المدينة الصحراوية المتوارية عن الأنظار بالمملكة العربية السعودية”.

بقائمة اليونسكو

وأوضحت: “ورغم الشهرة التي تحظى بها مدينة البتراء عاصمة مملكة الأنباط قديماً في الأردن، فإن مدائن صالح ثاني أكبر مدن الأنباط، والتي أدرجت في قائمة اليونسكو للتراث العالمي لا يزال يجهلها الكثيرون، فقد كانت مدائن صالح التي تسمى أيضاً الحِجر مدينة مزدهرة قديماً؛ بسبب موقعها على طريق تجاري مهم آنذاك يربط بين آسيا وأوروبا، وكان يسمى طريق التوابل، ولعبت مدائن صالح دوراً محورياً في بناء إمبراطورية تجارية”.

منحوتة في الصخور

وقالت: “اليوم تعد هذه المقابر الضخمة المنحوتة في الصخور من آخر الآثار المتبقية للمملكة المفقودة، ولا تزال في حالة جيدة، واستغرقت الرحلة بالسيارة من المدينة المنورة إلى مدينة العلا التي تقع في وادي القرى أربع ساعات، ثم اجتزنا طرقاً ليست طويلة حتى وصلنا إلى الفندق في منطقة الحجاز على بُعد 1.043 كيلومتراً شمال غرب الرياض”.

لحية وغترة وابتسامة

واستطردت: “في صبيحة اليوم التالي تناولنا الإفطار، وقابلنا مرشدنا أحمد، وكان طويل القامة وذا لحية خفيفة يرتدي الثوب التقليدي والغترة الحمراء، وقال لنا مبتسماً إنه تعلم اللغة الإنجليزية في نيوزيلندا، وفي الطريق إلى مدائن صالح التي تبعد 40 كيلومتراً شمالاً عن الفندق حكى لنا أحمد عن الأنباط الذين استمدوا ثراءهم ورخاءهم من قدرتهم على استخراج المياه وتخزينها في الصحراء القاحلة”.
وواصلت: “كما سيطر الأنباط على طرق التجارة في الصحراء من مدائن صالح في الجنوب الغربي إلى ميناء غزة شمالاً على البحر الأبيض المتوسط، وفرضوا ضرائب على القوافل التجارية المحملة بالبخور والكندر اللبان الشحري ونبات المرّ والتوابل التي كانت تتوقف عند مراكز الحراسة بالمدينة للاستراحة والتزود الماء”.

محفوظة بالجوف

وبيّنت: “في عام 106 ضم الرومان مملكة الأنباط إلى أراضيهم، وتحولت قوافل التجار إلى طريق البحر الأحمر بدلاً من الطرق البرية. ولم تعد المدن النبطية مراكز للتجارة، ومن ثم تداعت المملكة النبطية وهجرها سكانها، واليوم أصبحت هذه المدينة التي حفظت في جوف الصحراء بمعزل عن الناس خاوية وهادئة ومصانة بشكل مدهش؛ لكن أغلب المدينة لا يزال مغطى بطبقات من الرمال”.

131 مدفناً ضخماً

وزادت: “حتى الآن اكتُشف من المدينة منطقة مدافن شاسعة تضم ما يربو على 131 مدفناً ضخماً، وللوهلة الأولى دهشنا من حجم المدافن وأعدادها، وعندما دنونا منها تكشفت براعة الفن النبطي في منحوتات النسور التي تقف بشموخ والحيوانات ذات الرؤوس الآدمية مثل “سفنكس” والغريفين المغطى بالريش، ناهيك عن النقوش الدقيقة”.

ملكية وتذييل

واستكملت: “وقفنا أمام أحد المدافن الذي تفيد ترجمة النقوش النبطية عليه أنه مملوك لشخص يدعى “هاني بن تانسي وذريته”، وذُيلت بتاريخ واسم: “أبريل 31 ميلادياً نحتها حور النحات؛ حيث تكشف نقوش المقابر عن أسماء الناس الذين عاشوا في هذا الوقت وعلاقتهم ببعضهم ومهنهم وقوانينهم والآلهة التي كانوا يعبدونها، ولأن الأنباط لم يتركوا تاريخاً مدوناً عن جوانب حياتهم، فإن النصوص التي تنفرد بها مدائن صالح تحظى بأهمية استثنائية”.

نقوش الآرامية

وتواصل قائلةً: “شرح لنا أحمد أن هذه النقوش كُتبت باللغة الآرامية إحدى اللغات السامية القديمة، والتي كانت اللغة المشتركة للتعامل بين الناس في الشرق الأوسط في هذا الوقت، ولكي يتواصل التجار الذين يتحدثون لغات مختلفة كان لزاماً عليهم أن يتعلموا اللغة الأرامية، كما أن الأنباط استخدموا أحد أشكال اللغة العربية البدائية، ولفت أحمد نظرنا إلى آثار النقوش المكتوبة بهذا الشكل من اللغة العربية”.

قصر الفريد

ويفوق “قصر الفريد” سائر المدافن بهاءً وروعةً لا سيما من حيث حجمه؛ لأن واجهته أبسط من غيره، ويعلو الباب الرئيسي للمدفن عارضة مثلثة مزخرفة، وكانت الجثامين توضع في طبقات محفورة في الجدران من الداخل.

هرمية ملتوية

ومن قصر الفريد يبدو مشهد الصخور المنحوتة وسط الصحراء أخاذاً يأسر الألباب، وعلى الرمال المسطحة تعلو صخور الحجر الرملي الذهبية التي نحتتها ببراعة الرياح والأمطار على مدى قرون طويلة لتصنع منها أشكالاً مخروطية وهرمية ملتوية.

صمت مطبق

وتابعت: “كان المكان ساكناً يسوده صمت مطبق، وبالنظر من داخل المقبرة وجدنا أنه لم يعكر صفو المكان إلا ما خلفته أقدامنا وعجلات السيارة من آثار على عكس البتراء التي يطوف في أرجائها السياح وبائعو الهدايا وأصحاب الحمير، لم يكن ثمة أناس من حولنا في مدائن صالح؛ إذ إن المسلمين لن يقربوا هذا المكان؛ لأنهم يعتقدون أن الأنباط أهلكوا بعد رفضهم التخلي عن آلهتهم والإيمان بالله وحده، فضلاً عن أنه لا يخفى على أحد صعوبة حصول غير المسلمين على تأشيرات سياحية لدخول المملكة العربية السعودية”.

فقدنا الإحساس بالزمن

إلا أن خلوّ المكان من المشاة بالإضافة إلى طقس المملكة العربية السعودية الصحراوي الجاف قد ساهما في الحفاظ على سلامة مدائن صالح، وفي الوقت الذي تتآكل فيه واجهات البتراء ببطء فإن هذه المدافن لا تزال في حالة جيدة إلى حد مذهل، وسمح لنا بالتجول في جنبات المدافن كما يحلو لنا وأمعنّا النظر في تفاصيلها من الداخل والخارج، ولمسنا الحجر البارد العتيق، وفقدنا الإحساس بالزمن.

إله الجبال!

وتواصل “ودفيلد” حكيها قائلة: “بعد بضع ساعات عدنا إلى السيارة، وتوجهنا صوب “جبل إثلب” في الجهة الشمالية الشرقية من منطقة الحِجر، وهو عبارة عن كتلة صخرية ضخمة يعتقد أن الأنباط اتخذوه مركزاً دينياً لعبادة إله الجبال لديهم، والذي كان يُعرف باسم “ذو الشرى”، وعلى “جدران السيق” وهو طريق طبيعي ضيق طوله 40 متراً بين الصخور الشاهقة، يؤدي إلى جبل إثلب حفرت محاريب مزخرفة للنذور التي كان الأنباط يتقربون بها للآلهة ونقشت صور لجِمال وتجار.

من القنوات للتسلق

وأردفت: “أشار أحمد إلى مجموعة من القنوات التي كانت يوماً ما توجّه المياه إلى خزانات ما يدل على قدرة الأنباط على الاستفادة من مياه الأمطار والمياه الجوفية، واتجهنا إلى المنحدر الجنوبي الشرقي من “جبل إثلب” لنتسلق الجبل، وواجهت صعوبة في تسلق الجبل بالعباءة السوداء الطويلة التي أجبرت على ارتدائها، لكنني وجدت أن الصعود إلى القمة كان يستحق ما تكبدته من مشقة وإحراج من كثرة التعثر أثناء التسلق”.

القافلة المتخيلة

وقالت: “وجهنا أنظارنا غرباً صوب وادٍ فسيح، وتخيلت قوافل التجار والجِمال تدنو من مدائن صالح وهي محملة بالكندر أو اللبان المرّ الذي يُستخرج من شجر الكندر، وتتميز بندرتها وغلاء ثمنها، ولعل هذه القافلة المتخيلة كانت ستتجه بهذه البضائع النفيسة إلى الشعوب الأكثر ثراء كالرومان والإغريق، والفراعنة”.

قهوة ولون ذهبي

واختتمت: “حين آذنت الشمس بالمغيب عدنا أدراجنا إلى مشارف المدينة القديمة، وتوقفنا عند مجموعة من المقابر، حيث فرشنا بسطاً صغيرةً ذات رسوم وألوان زاهية على الرمال، واحتسينا القهوة العربية، وتقاسمنا كعك “المعمول” السعودي التقليدي المحشو بالتمر، ومن أمامنا أضفت حمرة الشمس على المقابر المحفورة في الحجر الرملي بمدائن صالح لوناً ذهبياً، وخيّم الصمت والسكون على المكان، وأرخى الليل سدوله برفق على الصحراء”.