الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل.. إلى أين يأخذنا هذا القرار؟ وكيف ستكون تداعياته؟

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتوجيهه بنقل السفارة الأمريكية إليها، تباينت ردود الفعل ما بين رفض عربي وإسلامي، وترحيب إسرائيلي، وتخوف وقلق دولي.. ولكن تظل تداعيات هذا التصرف أخطر وأكبر من مجرد ذلك؛ فهو بمنزلة صدمة لعملية السلام، واستفزاز لمشاعر المسلمين.

وضع القدس

ولكي يكون القارئ في الصورة لا بد من العودة قليلاً للوراء لمعرفة كيف كان وضع القدس خلال القرن العشرين؛ إذ كانت عاصمة لفلسطين طيلة فترة الانتداب البريطاني على فلسطين بموجب قرار عصبة الأمم، وذلك منذ العام الذي قام فيه بلفور بوعد اليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين 1917م، إلى أن تم إعلان قيام إسرائيل، وتبع ذلك اشتعال أول حرب عربية إسرائيلية عام 1948، وعلى إثرها احتلت إسرائيل القدس الغربية، بينما سيطرت القوات الأردنية على البلدة القديمة ومعظم الأجزاء الشرقية من القدس.
وفي ديسمبر 1949 أعلنت إسرائيل أن القدس عاصمة لها دون اعتراف دولي، واستمر الوضع على ما هو عليه: القدس الغربية تسيطر عليها دولة الاحتلال، والشرقية تحت السيطرة الأردنية.
احتلت إسرائيل الضفة الغربية خلال نكسة يونيو 1967، بما في ذلك القدس الشرقية والبلدة القديمة. ورفضت إسرائيل قرارات الأمم المتحدة التي نددت بالإجراءات الإسرائيلية في القدس، ووقف المجتمع الدولي إلى جانب العرب والفلسطينيين في اعتبار القدس الشرقية أراضي محتلة.
استمر الوضع إلى يومنا هذا ما بين عدم اعتراف دولي بالقدس بشطريها عاصمة إسرائيل، ومطالبات بالعودة إلى حدود 67، في حين تقوم دولة الاحتلال ببناء المستوطنات وتهويد القدس بالمخالفة للقرارات الأممية.
الجدير بالذكر أنه سبق أن صدق الكونجرس الأمريكي في عام 1995 على قرار يسمح بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، إلا أن وضع القدس المتنازع عليه دفع الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين إلى توقيع وثائق كل ستة أشهر، تقضي بتأجيل تنفيذ هذا القرار.

التأثير على مستقبل القضية

وبالرغم من تصريح الرئيس الأمريكي بأن هذه الخطوة من شأنها دفع عملية السلام في الشرق الأوسط إلا أنه من المتوقع أن تكون النتيجة عكس ذلك تمامًا؛ فالقرار له تأثير على عملية السلام، وأثر كبير على الدور التاريخي الذي طالما لعبته الولايات المتحدة في القضية الفلسطينية، التي كان ينظر إليها على أنها حيادية في مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، ولكن بهذه الخطوة يبدو أنها أخذت مسار التحيز بكل وضوح؛ ما سيقوض جهودها في التوصل إلى اتفاق سلام شامل وعادل.
وبحسب وكالة “سبوتنيك” الروسية، يرى المحلل السياسي “ناجي شراب” أن “نقل السفارة لمدينة القدس يعد اعترافًا نهائيًّا بدولة إسرائيل؛ وبالتالي أصبحت القدس عاصمة لإسرائيل، ولا داعي لوضعها على طاولة المفاوضات”.

تأجيج مشاعر المسلمين

حينما شدد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان في اتصال هاتفي مع ترامب على خطورة هذه الخطوة؛ لما فيها من استفزاز لمشاعر المسلمين كافة حول العالم، لم يكن ذلك من باب المبالغة نظرًا لمكانة القدس العظيمة والمسجد الأقصى (القِبلة الأولى) في قلب مليار ونصف المليار مسلم؛ وبالتالي فإن هذه الخطوة غير الحكيمة قد تتسبب في موجة غضب عارمة، وقد يستغلها المتشددون والإرهابيون ذريعة لشن غارات إرهابية في الغرب، تراق فيها دماء الأبرياء دومًا. وبالرغم من تأكيد ترامب بقاء وضع المقدسات كما هو إلا أن الأمر مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المسجد الأقصى ليس مأمونًا.

تشجيع للاستيطان وتهويد القدس

بعد هذه الخطوة ستمضي إسرائيل قدمًا في عملية الاستيطان، وبناء المستوطنات في القدس الشرقية، ومصادرة الأراضي الفلسطينية، والتضييق على الفلسطينيين؛ لما تمثله الخطوة من تشجيع صريح على ذلك، فضلاً عن أن ذلك سيكون بمنزلة الضوء الأخضر لتستمر دولة الاحتلال في محاولتها لتغيير طابع المدينة الإسلامي، وواقعها الجغرافي والديموغرافي بهدف تهويدها، وإنهاء الوجود العربي والإسلامي فيها.

ما المطلوب من العالم الإسلامي؟

المطلوب الآن تحرك عربي وإسلامي واسع النطاق، واتخاذ موقف واضح وصارم في هذا الشأن، والعمل على استصدار قرار أممي داعم للشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية؛ للتقليل من أهمية الخطوة الأمريكية تحسبًا من أن يحذو حذوها دول أخرى، ويصبح ذلك أمرًا واقعًا.