اعلان

“بيتكوين” .. الانهيار آت ودوي الارتطام سيكون مسموعا

Advertisement

تخطت عملة بيتكوين حاجز عشرة آلاف دولار، بعد أن اقتحمت حاجز الألفي دولار للمرة الأولى في أوائل عام الحالي. هذا أمر مهم بالفعل، لكن مع ذلك الادعاءات بأن طفرة “بيتكوين” خلال السنة التي شارفت على نهايتها هي على نحو ما تكرار لفقاعة ناسداك التي انفجرت أخيرا في آذار (مارس) 2000، تعد ادعاءات بعيدة عن الصواب إلى حد كبير. هذه ليست مجرد ظاهرة قصيرة الأمد. صحيح أن عملة بيتكوين حققت نجاحا سريعا هذا العام، لكن يجدر بنا أن نتذكر أن كثيرا منا كانوا يظنون أن أسعارها كانت مجنونة قبل سنة. متوسط العائد الحقيقي السنوي منذ أن بدأ الناس التداول بهذه العملة في عام 2010 يبلغ 411 في المائة. وهذا يختلف عن أي شيء شهدناه في أية سوق للأسهم في العصر الحديث.

حققت عملة بيتكوين المال لداعميها بطريقة لم يسبق قط أن تمتع بها أي مستثمر في مجال الأسهم: أفضل عام لـ”بيتكوين” كان 2013، وأفضل عائد سجلته سوق الأسهم في أي بلد خلال سنة تقويمية واحدة كان في النرويج في عام 1979. وبحسب “الكتاب السنوي للعوائد على الاستثمار العالمي من كريدي سويس”، تأليف إلرُوي ديمسون وبول مارش ومايك ستونتون، ما يجري في عالم الـ”بيتكوين، لا يشبه أي شيء يمكن أن نتوقعه من أية سوق للأسهم. سوق الأعمال الفنية حققت بعض الأشياء العجيبة في الفترة الأخيرة، لكنها لا تعد شيئا بالقياس إلى “بيتكوين” – وعلى أية حال فإن الأعمال الفنية هي بطبيعتها أكثر ندرة من عملة بيتكوين. لكن حين نعود بالزمن فترة أطول، يبدو بالتأكيد أن هناك حالات من هوس الاستثمار تفوقت حتى على الـ”بيتكوين”. دعونا نبدأ بهوس الزنبق الهولندي، الذي هو الآن موضوع فيلم كبير من هوليود بعنوان “حمى الزنبق” Tulip Fever.

المصدر المفضل لديّ عن هوس الزنبق هو كتاب مايك داش “هوس الزنبق”، الذي أوصي به للقارئ بقوة. السجلات الهولندية لم تكن دقيقة بما يكفي بالنسبة إلينا لإنشاء رسم بياني يصور الحركة اليومية للأسعار على غرار رسومات الـ”يتكوين”. كذلك لم تكن جميع بصلات الزنبق بالمستوى نفسه – كلما كانت البصلات أندر، وأجمل، ازداد السعر الذي تدفعه مقابلها. أعلى سعر تم تسجيله بشكل موثوق مقابل إحدى بصلات الزنبق خلال فترة الهوس كان 5200 جلدر. ولأن هذا الرقم أكبر من ثلاثة أضعاف الـ 1600 جلدر التي تقاضاها الفنان رامبراندت مقابل تحفته الفنية الرائعة “نوبة المراقبة الليلية” خلال الفترة الزمنية نفسها تقريبا، فإن هذا السعر يبدو باهظا. حتى أعطي القارئ صورة أفضل من حيث المقارنة، كانت تكلفة كيس الخبز زنة 12 رطل في ذلك الحين 0.4 جلدر. لذلك، حين كان السعر في أعلى مستوياته، كان بإمكانك مبادلة بصلة زنبق واحدة مقابل نحو 156 ألف رطل من الخبز، أو بحسب أرقام داش، مقابل 400 طن بالضبط من سمك الرنجة الهولندي.

في الوقت الحاضر يمكنك شراء علبة تشتمل على 100 بصلة من الزنبق من متجر أمازون مقابل 32.98 دولار، في حين أن كيس الخبز الأبيض ماركة “سارا لي” يكلفك 1.98 دولار، ما يعني أنك تستطيع الحصول على خمس بصلات تقريبا مقابل كل رطل من الخبز. ولأن النسبة عند أعلى السعر كانت 156 ألف رطل مقابل كل بصلة زنبق، يكون هوس الزنبق الهولندي قد استحق بالتأكيد مكانته التاريخية باعتباره أسخف الأمثلة في التاريخ على التقييم المفرط لسلعة ما. لكن لاحظ أن بصلة الزنبق شيء مادي ملموس، وأن سعرها يمكن مقارنته بأشياء مادية أخرى، في حين من غير الواضح ما إذا كانت هناك إمكانية لأي تقييم أساسي من هذا القبيل بالنسبة للبيتكوين، الذي هو عرضة لخطر الوقوع تحت إجراءات من قبل الحكومات.

هل كان التسارع في أسعار الزنبق قابلا للمقارنة بالاندفاع الحالي في أسعار الـ”بيتكوين”؟ البيانات ليست جيدة كثيرا، لكن هناك مثالا في كتاب داش يشير فعلا إلى أن عملة بيتكوين متقدمة. لحسن الحظ لدينا أسعار مقارنة لرطل من زنابق Bizarden خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من فترة الهوس، التي انتهت فجأة في الأسبوع الأول من شباط (فبراير) 1637. سجلت الأسعار خلال تلك الفترة زيادة بنسبة تزيد قليلا على 2200 في المائة. في المقابل ارتفعت قيمة البيتكوين خلال الأشهر الأربعة الماضية 253 في المائة فقط. بالتالي، فإن المبالغة في شراء العملات المشفرة حتى الآن تعد أقل جنونا مما كانت عليه بالنسبة لبصلات الزنبق – رغم أن بصلات الزنبق بطبيعة الحال تمتاز بأنها يمكن أن تصبح زهرات جميلة في حديقتك.

مثال آخر على هوسٍ استطاع في مراحله الأخيرة أن يتفوق حتى على البيتكوين هو “فقاعة البحر الجنوبي”، التي أوقعت كثيرا من البريطانيين في عام 1721. لكن هذا الهوس كان يشتمل على تحايل صريح – كانوا يشترون أسهم شركة البحر الجنوبي وكانت تقال لهم أكاذيب أساسية حول الأصول المعروضة. كذلك الفقاعة لم تستمر مثل استمرار طفرة البيتكوين حتى الآن. لكن خلال الأشهر الأخيرة من الجنون، استطاع سهم شركة البحر الجنوبي أن يرتفع 800 في المائة. ومن المعروف كذلك أن الذين تورطوا في تلك الفقاعة لم يكونوا هم الحمقى فقط. إسحق نيوتن، واحد من أعظم العبقريات في التاريخ، تعرضت ثروته للدمار بسبب قراره شراء أسهم “البحر الجنوبي” عند سعر قريب من الذروة. هناك درس أوسع وهو أن الـ”بيتكوين” ظاهرة استثمارية، أو قائمة على التكهنات على نحو لم نشهد له مثيلا من قبل قط منذ فترة طويلة. وهي تتطور حتى بشكل عجيب أكثر من معظم الفقاعات التي خضعت لأفضل أنواع التوثيق، رغم أنها لم تصل حتى الآن إلى تجاوزات هوس الزنبق.

يمكن أن يؤخذ هذا على أنه علامة على أن هوس الـ”بيتكوين” ببساطة غير قابل للمقارنة بالأنواع الأخرى من الهوس الاستثماري. هذا سيكون دفاع كثير من المتحمسين للعملة المشفرة، الذين يصفون الارتفاع الحالي في الأسعار بأنه نتاج “منحنى التبني”. لكن هناك مشكلة كامنة لا تزال قائمة، وهي أن صعود البيتكوين من حيث القيمة يجعل من الصعب استخدامها عملة. بحسب الأدلة الأخيرة من السهل أن نرى السبب في أن شخصا ما يرغب في شراء الـ”بيتكوين” كنوع من الرهان، لكن من الصعب أن نفهم السبب الذي يجعل أي شخص يختار الـ”بيتكوين” ليكون عملة تقوَّم بها التعاملات بحسب صحيفة الإقتصادية.

لكن فيما يتعلق بدروس التاريخ، نحن بالمعنى الحرفي تقريبا خارج الرسوم البيانية. التاريخ كما يفسره كثير من الناس – وأنا منهم – يشير إلى أن الأسعار سوف تهبط في النهاية إلى القاع وسوف يُسمع صوت الارتطام. لكن هذا الدرس لا يبين لنا إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الارتفاع، ولا يبين لنا التوقيت. ربما تستطيع الـ”بيتكوين” أن تطابق مستوى بصلات الزنبق النادرة Bizarden قبل أن تنهار. لكن من زنبق Bizarden إلى الـ”بيتكوين”، هناك تعليق يظل صحيحا: ما أغرب هذا!