الرئيسيةاخبارمحلياتانخفاض الجريمة في السعودية.. يقَظة أمنية ووعي مجتمع ودولة فرضت هيبتها بالعدل
محليات

انخفاض الجريمة في السعودية.. يقَظة أمنية ووعي مجتمع ودولة فرضت هيبتها بالعدل

اضف بريدك لاستقبال النشرة الاخبارية والوسائط.

يعكس انخفاض نسبة الجرائم في السعودية بنحو 4.5% مقارنة بالعام الماضي -وفقاً لإحصاءات وزارة الداخلية- حالةَ الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، والتخطيط الجيد من قِبَل الدولة؛ رغبة في إشعار المواطن بالأمن والاستقرار. وزيادةُ الوعي المجتمعي لها دور كبير في انخفاض نسبة الجريمة بمختلف أنواعها؛ وسط توقعات بأن تنخفض بشكل أكبر في السنوات القادمة نتيجة الاستقرار الاقتصادي الذي تعيشه السعودية، واستحداث القوانين الرادعة التي من شأنها المحافظة على أمن واستقرار المجتمع. ويعرفنا عدد من المختصين في الجريمة والإعلام على أسباب انخفاض نِسَب الجرائم في المجتمع السعودي في هذا التقرير.

إحصائيات

أكد اللواء منصور التركي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية السعودية، أن المملكة تُعَد من أقل دول العالم في نسبة الجريمة. وأشار في بيان صحفي، إلى أن ارتفاع معدلات الجريمة في بعض المؤشرات لا يعني تجاوز الحدود المنطقية لهذه الجرائم؛ بالنظر لطبيعة الجريمة ومثيلاتها في العالم. وبحسب “التركي”؛ فإن 75% من الجرائم التي حدثت، تَرَكّزت في أربع مناطق، هي: المدينة المنورة، ومكة المكرمة، والرياض، والمنطقة الشرقية؛ مُرجِعاً انخفاض نسبة الجريمة بشكل عام إلى انخفاض جرائم الاعتداء على النفس والجرائم الأخلاقية وغيرها. فيما مثّلت جرائم الاعتداء على النفس والأموال 60% من إجمالي الجرائم، وكانت نسبة العمالة التي تورطت فيها، نحوَ 26%؜ من جميع الجرائم.. يليهم المتسببون (من يعملون أعمالاً حرة) بنسبة 17.5٪؜؛ في حين لم يشكل العاطلون عن العمل سوى 7٪؜.

الوعي المجتمعي

وفي ذات السياق؛ أوضح الدكتور إبراهيم العنزي المتخصص في علم الاجتماع، لمحةً عن العوامل التي تلعب دوراً كبيراً في زيادة وانخفاض الجرائم داخل المجتمعات. وقال: “لا يغيب عن الذهن أن العامل الاجتماعي والاقتصادي والجانب النفسي لهما تأثير كبير على ارتفاع وانخفاض الجريمة”؛ مؤكداً أن أي مجتمع لا يخلو من الجريمة؛ حيث تُعَد ظاهرةً اجتماعيةً مرتبطة بالمجتمع، والبعض يراها من الظواهر الصحية ومن الصعب القضاء عليها؛ ولكن يمكن الحد منها. وأوضح “العنزي” أن النسق الاجتماعي والأمني يؤثر في ارتفاع الجريمة عند غياب التخطيط، وتفشي البطالة، وانتشار الفقر في المجتمع، وما يلازمه من انخفاض مستوى التعليم، كما أن العامل الاجتماعي التربوي يلعب دوراً رئيسياً؛ ولذا ينبغي على المؤسسات التربوية أن تقوم بواجباتها، وتعمل على إنعاش القيم الإيجابية داخل المجتمع.

وفسّر “العنزي” انخفاض بعض أنماط الجريمة داخل المجتمع السعودي؛ بسبب نشاط الدور الأمني المكثف والتخطيط الجيد وبناء الاستراتيجيات المحكمة؛ منوهاً بوعي المجتمع السعودي وتحسّن وضعه الاقتصادي، وأوضح أنه قد ترتفع أنماط الجرائم لارتباطها بموسم معين؛ ولذا تنشط جرائم معينة في فترات معينة، ضارباً المثل بموسم الحج الذي تنشط فيه جرائم السرقة والنشل والغش.

الثقافة المجتمعية

وعن ارتفاع نِسَب جرائم الطلبة، أشار أستاذ علم الاجتماع، إلى وجود دراسات عدة تتعلق بالعنف داخل المدارس، ومن أسبابها ممارسات الثقافة المجتمعية، وهي أن يأخذ الطالب حقه بيده. معرباً عن أسفه من غياب فكرة اللجوء للمختص في أخذ الحق؛ فهناك الكثير من الأسر تربط في عقل الطالب علاقة بين كونه رجلاً وبين ضرورة أن يأخذ حقه بالقوة، كما تلعب الضغوط النفسية دوراً كبيراً في ارتفاع نسبة الجريمة بين الطلبة، وقد تكون سبباً مباشراً لممارسة العنف والعدوانية، وتتحول إلى انتقام في مراحل متقدمة. وحول كيفية الحد من جرائم العنف؛ دعا “العنزي” إلى دراسة الأسباب المؤدية إليه مع نشر الوعي عبر وسائل الإعلام والمنابر في المساجد والمدارس، عن سماحة الدين الإسلامي، مع ضرورة تشديد عقوبات الجرائم.

واقترح أن يتم توضيحها عبر وسائل الإعلام المختلفة ونشرها من خلال رسائل قصيرة في الجوالات؛ ليعلم الجميع عقوبة التعدي على الآخرين. ونادى أستاذ الاجتماع، بأهمية التدقيق في النظام التعزيري للقضاء؛ على أن يكون هناك شبه اتفاق بين القضاة والمشايخ على العقوبات وفقاً للتعزير؛ حتى لا يأمن المذنب، ولكي تكون معلومة للجميع؛ وخاصة أن معظم القضايا التعزيرية واضحة ومعروفة.

استقرار أمني

من جهته عزا الإعلامي المعروف يوسف الكويليت انخفاض معدلات الجريمة إلى الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي؛ لافتاً إلى أن الحراك المجتمعي وتداخل المجتمعات لا يجعلنا بمعزل عن العالم. وأوضح أن الجهاز الأمني السعودي أصبح قادراً على كشف الجريمة، كما ساهم الدولة في تقديم خدمات أمنية لدول كبرى كانت سبباً في خروجها من الأزمات؛ مما يعكس قوة الجهاز الأمني. كما لفت إلى خطورة بعض العمالة الوافدة المتدنية غير المؤهلة بأي ثقافة -وتأتي من مجتمعات مواردها بسيطة- على أمن المجتمع؛ فالتعامل مع ١١ مليون وافد ليس بالأمر السهل.. وبرغم ذلك استطاعت قوى الأمن في الفترة الماضية الوصول إلى أي جريمة ومعاقبة مرتكبيها.

وعن خطورة مرحلة الشباب وكيفية حمايتهم من الوقوع في الجريمة، قال الكويليت: استقطاب فئة الشباب هو شغل صانع القرار، والبحث في مشاكلهم الأساسية والوصول إلى حلول مرضية، وهذا ما تقوم به الدولة وتحرص رؤية ٢٠٣٠ عليه؛ باعتبارهم حجر أساس المجتمع؛ لافتاً إلى دور الأسرة والمجتمع ومساهمتهم في التأثيرعلى هذه الفئة. ويرى الكويليت أن القضاء السعودي وصل إلى مرحلة كبيرة من النضج في التعامل مع كل القضايا، والشريعة الإسلامية واسعة جداً، ولديها الكثير من الحلول لتهذيب روح المجتمع؛ فليس دور القضاء فقط هو معاملة كل الأمور بأعنف الأحكام؛ ولذا نجد لدينا دُورَ إصلاحٍ وأخرى تنشئة وثالثة لليتامى.. إلخ. وأكد أن المملكة تسعى بخطى حثيثة إلى إصلاح التعليم عبر مجموعة من البرامج والخطط المدروسة؛ لاعتباره الملتقى الرئيسي لارتقاء أي أمة، وهو الأساس في تربية الجيل القادم، وله دور كبير في انخفاض معدلات الجريمة.

استحداث قوانين

وأرجع أستاذ الجريمة والانحراف المشارك في جامعة المجمع، الدكتور صالح العقيل، انخفاض معدل الجريمة في المجتمع السعودي إلى عدة أسباب؛ أهمها: روح القيادة الحكيمة والشابة التي تتلمس احتياجات المواطن، وشعوره بالأمن والاستقرار داخل مجتمعه؛ مما يزيد من اللحمة الوطنية ويؤثر بشكل مباشر في قضية الولاء والانتماء للوطن، والتي تظهر في صورة ضبط للسلوكيات؛ رغبةً في عدم تشويه أيديولوجيات المجتمع. لافتاً إلى استمرار الدولة في استحداث قوانين وضوابط تُشبع احتياجات المواطن؛ لتلعب دوراً كبيراً في شعوره بالأمن ورغبته في المحافظة عليه.

وأوضح أن طبيعة المجتمع وتديّنه؛ تؤثر في قضية الضبط الذاتي، وتجعل الفرد رقيباً على نفسه، وتزيد من التزامه بالأنظمة والتعليمات الرسمية، والأنظمة غير الرسمية من قيمٍ مجتمعية وعاداتٍ وتقاليد وأعراف تفرض سلطتها على السلوك المجتمعي، وهذا يبرز بشكل واضح في المجتمعات القبلية ويشكل الجانب الإيجابي فيها، كما أن الوعي المجتمعي يُعَد سبباً أساسياً في التزام الفرد بالقوانين والضوابط.

وأشار إلى التغيرات في التركيبة السكانية السعودية؛ حيث يمثل الشباب النسبة الأكبر بما يعادل ٦٠% من المجتمع؛ بيد أن المؤشرات تلوح بانخفاض الجريمة؛ وهو ما يجعلنا نؤكد أن هناك وعياً لدى تلك الفئة. وبسؤاله عن إمكانية القضاء على الجريمة نهائياً؛ أجاب “العقيل”: ليس من الأمور الصحية أن نقضي على الجريمة؛ فلا بد أن تكون موجوده بنِسَب منطقية لا تؤثر على العمود الفقري للمجتمع؛ موضحاً أن وجود الجريمة قد يساهم في تطور القوانين، وضرَب مثلاً بقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الذي استحدث بعدما انتشرت هذه الجرائم، ونظام التحرش الأخير، وغيرها.

وتابع: انخفاض الجريمة يعطي إشارة صحية، ويؤكد أن المجتمع يمشي في الطريق الصحيح. ورداً على أسباب ظهور أنماط من الجريمة واختفاء أخرى؛ رأى أن التغير الاجتماعي يلعب دوراً كبيراً؛ فنجد القتل بالسلاح الأبيض على سبيل المثال منتشراً في فترة زمنية كنمط للجريمة، ومع التغير المجتمعي يختفي وتقل نسبته وتظهر جرائم النصب والاحتيال مثلاً؛ مرجعاً ذلك إلى تحول المجتمع من البسيط إلى المتقدم، الذي برزت فيه الجوانب المادية بشكل أكبر وغيّرت من شكل وأنماط الجريمة.

وقال أستاذ الجريمة: اختفاء بعض أنماط الجريمة وظهور أنماط أخرى، سَاهمَ في تقليص معدلات الجريمة، وقد يكون سبباً في وضع وتعديل الكثير من القوانين. وختم حديثه بالتأكيد على أن وعي الجهات المسؤولة ساهم في خلق التكامل بين مؤسسات المجتمع والتقائها في هدف واحد؛ مما ساهَمَ في التقليل من انتشار الجريمة؛ لافتاً إلى اهتمام الدولة بالتعليم؛ فهناك ما يقرب من ٣٠ جامعة تم إنشاؤها خلال ١٢ عاماً؛ بخلاف المراكز البحثية والأمنية لمكافحة الجرائم؛ حيث تجد لكل سلوك إجرامي مراكز خاصة لدراسته ومكافحة الشذوذ فيه؛ مما ساهم في تقليص ظهور الانحراف في النمط الواحد.