ما حقيقة اختفاء 36 مليار دولار من الأصول الخارجية للسعودية؟

أثار تقرير نشرته وكالة رويترز للأنباء أمس الثلاثاء، عن نقص في الأصول الخارجية للسعودية بنحو 36 مليار دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2017، موجة تساؤلات عن حقيقة هذا النقص وأين تم صرفه؟
وتناولت قناة “الجزيرة” القطرية تقرير رويترز حول نقص الـ36 مليار دولار على أنه لغز من ألغاز المملكة الاقتصادية.
وتضمن ما أوردته القناة القطرية مجموعة من المغالطات تضمنت تحريف أو اجتزاء ما أوردته وكالة رويترز، في إطار حملة إعلامية معروفة تستهدف المملكة.
ووفقا لموقع “إرم نيوز” نفى المحلل الاقتصادي السعودي المعروف فضل بو عينين صحة هذه المزاعم، قائلاً: “تسييس التقارير الاقتصادية وتوجيهها لتحقيق أهداف محددة بات سمة بارزة لبعض القنوات؛ ما يستوجب التدقيق في مخرجاتها اعتمادا على البيانات المالية الرسمية والمتوافقة مع معايير الشفافية المطبقة عالميا”.
وأوضح: “الحديث عن اللغز في البيانات المالية لا يستقيم مع الشفافية والوضوح التي تنتهجها وزارة المالية ومؤسسة النقد في تعاملهما مع الميزانية من جهة وإدارة الأصول الخارجية من جهة أخرى”.
وأضاف المحلل: “يمكن لأي مبتدئ في المحاسبة أن يكتشف استفادة السعودية من أصولها الخارجية لتمويل جزء من ميزانيتها وللمحافظة على انفاقها التنموي بعد انخفاض النفط من 110 دولارات إلى ما دون 30 دولارا”.
وكان بو عينين نشر تغريدة أوضح عبرها أن من يريد فك لغز نقصان مبلغ الـ36 مليار دولار من الأصول الخارجية عليه العودة إلى بيانات مؤسسة النقد السعودي “ساما” والتي تورد على وجه الدقة كل ما يتعلق باقتصاد ومالية المملكة.
ويعتبر صافي الأصول الخارجية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي معياراً لقياس قدرة المملكة على دعم عملتها، ووفق تقرير رويترز فقد انخفضت تلك الأصول من مستوى قياسي بلغ 737 مليار دولار في أغسطس/ آب 2014 إلى 529 مليارا في نهاية 2016.
ويرجح أن فقدان الـ36 مليار دولار يعود إلى مجموعة عوامل متعددة ربما رجح بعض منها على آخر.
وبشكل بديهي تعود أولى تلك العوامل إلى انخفاض أسعار النفط، فقد بلغ متوسط أسعار مزيج برنت 54.57 دولار للبرميل في الربع الأول من العام الجاري، ثم انخفض منذ ذلك الحين إلى نحو 46 دولارا للبرميل أي ما يزيد دولارا واحدا فقط عن متوسط الأسعار في العام الماضي، وهو الأمر الذي سيشكل ضغطا على الأصول الخارجية السعودية مع تجاه الحكومة لتسييل بعض الأصول لتغطية العجز الضخم في الموازنة والناجم عن هبوط أسعار النفط. حيث يقدر العجز المتوقع في ميزانية الرياض لعام 2017 بنحو 198 مليار ريال (52.79 مليار دولار).
وهذا العام ساهمت حملة تقشف وانتعاش جزئي شهدتها أسعار النفط في مساعدة الرياض على تحقيق تقدم في خفض العجز، إذ تراجع بنسبة 71% عما كان عليه قبل عام ليصل إلى 26 مليار ريال (6.9 مليار دولار) في الربع الأول.
ومن العوامل الهامة التي تأخذ بعين الاعتبار في نقصان صافي الأصول الخارجية السعودية، تجاه الرياض لتوسيع استثمارات صندوق ثروتها السيادية في الخارج، من خلال سعي المملكة لاستثمار مبالغ كبيرة في هذا المجال بهدف رفع العوائد المالية والدخول إلى الأسواق العالمية البعيدة عن النفط وخاصة أسواق التكنولوجيا.
وقال صندوق الاستثمارات العامة إنه سيستثمر ما يصل إلى 45 مليار دولار على مدى خمس سنوات في صندوق للتكنولوجيا أسسته شركة “سوفت بنك” اليابانية و20 مليار دولار في صندوق للبنية التحتية تعتزم شركة “بلاكستون” الأمريكية تأسيسه.
وفي هذا الإطار أوردت رويترز في تقريرها الذي نشرته أمس نقلا عن مصرفي دولي لم تسمه قوله إن “قدرا كبيرا من الانخفاض في الأصول الخارجية يرجع، فيما يبدو إلى تحويل أموال إلى صناديق تابعة للدولة تستثمر في الخارج خاصة صندوق الاستثمارات العامة وهو صندوق الثروة السيادية الرئيس”.
ولا يمكن إغفال سعي الرياض إلى زيادة نشاط القطاع الخاص وما يستلزمه ذلك من دعم حكومي لتشجيع الاستثمارات الداخلية وهو العامل الذي يرجحه اقتصاديون سعوديون في نقصان أي مبلغ من الأصول الخارجية للمملكة وعلى ضوء انخفاض أسعار النفط.
واستبعد محللون أن يكون سبب انخفاض الأصول الخارجية، تدخل السعودية في حرب اليمن، وكان مسؤول سعودي كبير أشار في أواخر عام 2015 إلى أن التدخل، الذي يقتصر إلى حد كبير على حملة جوية لا على حرب برية كبرى، يكلف المملكة حوالي سبعة مليارات دولار سنويا وهو ما يتفق مع تقديرات خبراء عسكريين أجانب، وهذا ما أكدته رويترز في تقريرها الذي نشر أمس.
كما استبعد محللون أن يعود انخفاض الأصول الخارجية إلى هروب رؤوس الأموال من السعودية إلى الخارج، ويؤكد ذلك بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما)، وخاصة أن عام 2016 شهد وبشكل ملحوظ تضاؤل هروب رؤوس الأموال من المملكة إلى الخارج.
ومن الجدير بالذكر أن قيام السعودية بالاقتراض بالنقد الأجنبي عبر إصدار سندات سيتيح للرياض المرونة المالية لكنه لا يزيد صافي الأصول الأجنبية وذلك لأن الديون تسجل في خانة الالتزامات.
وكانت المملكة أصدرت صكوكا بقيمة تسعة مليارات دولار في الخارج خلال شهر أبريل/ نيسان الماضي، وتعتزم استئناف إصدارات السندات المحلية في وقت لاحق من العام الجاري بعد توقف استمر أكثر من نصف عام. وستغطي السندات المحلية ما بين 25 و35% من العجز في ميزانية 2017.