لماذا يكره جمهور طلال مداح فنان العرب؟

لا يمكن استعراض تاريخ الأغنية السعودية بماضيها وحاضرها، من دون الوقوف على سيرة الفنان الكبير، طلال مداح، أو حتى الإشارة إلى شيء من نبل وتسامح وروح وبساطة طلال وإنسانيته وسخائه مع البعيد والقريب.
ولا يمكن سرد قصة الأغنية السعودية من دون التطرق إلى دوره المهم في مراحل التأسيس والتطور. وأي منصف يدرك أن الأغنية برحيله فقدت شيئاً من بهجتها وبريقها، وكل شيء في “صوت الأرض” محرض على الجمال ويفضي إليه، ولكن مع الانفتاح الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي نجد أن ثلة من الجمهور بدأت في البروز تتبنى خطاباً يتنافى مع مبادئ مدرسة طلال، ولم تلتزم بأدبياتها القيمة أو مثلها العليا.
هذه الفئة التي تأتي من أطياف مختلفة أصبح شغلها الشاغل وقضيتها الأولى النيل من فنان العرب، محمد عبده، في كل شاردة وواردة. والمتابع لـ”الميديا” ووسائل البث والإعلام الجديد يلمس أن بعض عشاق طلال مداح يشعرون منذ رحيله بأن متنفسهم الوحيد للتعبير عن محبتهم لفنانهم الراحل هو الإساءة إلى محمد عبده وجمهوره من دون مبرر أو مسوغ لذلك. هؤلاء المغالون في محبته منهم من يحاول اختلاق نوع من الصراع وإذكائه والدفع به إلى الأمام متناسين أن مفردة الكراهية التي يعملون على تكريسها لم تكن في يوم من الأيام متداولة في قاموس نجمهم المحبوب وفقا لموقع العربية نت.

إذا اعتزل محمد سأعتزل

نظرة طلال مداح إلى محمد عبده وعلاقته به كانت سامية بل إن درجة السمو هذه يعجز عن الوصول إليها المتأزمون بل إن طلال لو كان بيننا اليوم لنهرهم عن الهمز واللمز تجاه زميل المرحلة الأهم. ويتجلى ذلك في حوار قال فيه طلال مداح ما لا يطيقونه صبراً: “إذا اعتزل محمد عبده اعتزلت”، ما هو السبب؟ رد بعذوبته المعهودة: “أفقد زميلاً منافساً.. ندا في هذه الحالة لا أشعر بجمال المنافسة، لأنه عادة الإنسان يحب ينافس اللي بعده دايماً، فأنا الند اللي ليّا هو محمد هو اللي طالع بعدي يحاول يلحقني وسبقني، وأنا أحاول ما يسبقني”. بل إن طلال في حوار تلفزيوني عندما كان يتحدث عن أحقيته بأغاني “ليلة خميس” و”المعازيم” و”لنا الله” كان بضحكة عفوية يشيد بذكاء محمد عبده أو ما وصفه بـ”مقالب محمد”، والفنان القدير طلال مداح يذكر ذلك وهو كان يعرف أن الوسط الفني لا يخلو من المماحكات التي تعد من ثقافة أي وسط تنافسي، بل إن الملحن الراحل عمر كدرس كان منصفاً عندما ذكر في حوار متلفز على القناة الأولى بالتلفزيون السعودي أن طلال “لطش” من محمد عبده أغنية “مقبول” عام 1967 ورد محمد عبده عام 1400 بأغنية “ليلة خميس”، وهذه الأمور طبيعية مثلما أسلفت.
والحقيقة التي يجب أن ندركها في هذا السياق أن ملحني وشعراء تلك المرحلة هم من أصبحوا يبحثون عن صوت محمد رغم أقدمية طلال، ولا أتخيل أن محمد عبده كان سيغني أغنية رغماً عن شاعرها أو ملحنها!

الوجه المشرق والبطانة

هذا التنافس عندما كان في أوجه لم يؤثر أو يلقي بظلاله على صعيد العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الطرفين، فقبل أن يصعد طلال مداح للغناء في حفل زفاف منافسه محمد عبده، قال محمد عن طلال إنه “الوجه المشرق للأغنية السعودية”، وأسهب واصفاً طلال: “أستاذ الجميع.. أستاذ الفنانين”. ولا يزال فنان العرب يحفظ ذلك الود القديم لصاحبه إلى اليوم، بل حتى إنه في تصريحه الشهير عن “بطانة طلال” مع الزميل علي العلياني الذي يحاول البعض منذ عامين أن يجده فرصة لتسديد سهامه صوب فنان العرب بين كل طرفة عين والتفاتتها، قال فيه نصاً: “طلال كانت سريرته طيبة لأني جلست معه، وقلبه طيب وعمله طيب”.

ولأن الفن والعنف طرفا نقيض لا يلتقيان فإن نظرة واحدة إلى مئات التعليقات على مقاطع النجمين الكبيرين في موقع اليوتيوب، تشعرك بحجم الأزمة وتجعلك تعيد النظر في ذلك، وتدعو بالصحة والسلامة لهؤلاء المصابين بتسمم في الذائقة.

طلالي أو عبداوي؟

الصحافي سعيد البكري المهتم بالشأن الفني في مواقع التواصل الاجتماعي علق في حديثه قائلاً: “أنا ضد وجود مصطلح هذا طلالي وهذا عبداوي أو حتى تكريس الانقسامات في الفن، ولي تغريدات في هذا الشأن”، وأضاف: “الإعلام الفني غير المؤهل هو من يعزز هذه الانقسامات وكان يذكي صراع هذه الحروب إلى وقت قريب، ومن انطلت عليهم اللعبة فقدوا الاستماع والاستمتاع بطرب طلال مداح ومحمد عبده”، مشدداً على أن تذوق #الفن يستوجب وجود أذن “سمّيعة” تميز الجيد من الرديء من دون النظر إلى الأسماء، وأنه في سبيل إثبات علاقة المحبة الوطيدة والعميقة وضع أمام المتعصبين صورتين إحداها لطلال في زفاف محمد عبده والأخرى لفنان العرب في زفاف عبدالله طلال مداح.

وذكر البكري أن الأغنية السعودية تتطور في الوقت الذي لا يواكب هذا التطور حركة نقدية جادة، أو عمل صحافي فني احترافي، وقال: “هناك في الصحافة الفنية من يسمي نفسه ناقدا، وهو لم يدرس النقد إنما رأس ماله الحقيقي صورة مع فنان”.


ولم ينكر البكري أنه وفق تلك المعايير التي انتقدها يصنف من قبل متابعيه بأنه “طلالي”، مستدركاً: “لكن هذا لا يعني أنني لا أطرب لفنان العرب الذي يملك أرشيفاً ضخماً من الروائع الطربية، بل عندما نبعد عن التصنيفات ونعطي أسماعنا حريتها نجد في بعض الأحيان أن أغنية لفنان شاب قد تصنع لنا بهجة يومنا”.

للاشتراك بواتساب مزمز، ارسل كلمة اشتراك إلى الرقم:
00966544160917
للإشتراك بقناة مزمز على تيليقرام اضغط هنـا