صور: تعرف على المعلم اللبناني الذي أصبح وزيرا سعودياً في عهد الملك عبد العزيز!

قال المفكر المصري محمد جلال كشك (ت 1993م): لقد أدرك الملك عبدالعزيز في وقت مبكر حاجته إلى من يساعده في تنظيم شؤون دولته الناشئة من الموظفين والمستشارين، فمد يده إلى كل من يريد خير العرب، ويسعى لاستقلال العرب، ورحّب بكل عربي، وعدّ أرض بلاده وطناً لجميع العرب، ومن هؤلاء الذين استقطبهم الملك عبدالعزيز للعمل في دولته اللبناني فؤاد حمزة (1899-1951م) الذي نشرت دارة الملك عبدالعزيز أخيراً شيئاً من مذكراته ووثائقه في مجلدين يقارب عدد صفحاتهما الـ 800 صفحة، وبهذه المناسبة سنلقي بعض الضوء على هذه الشخصية العربية الفاعلة سياسياً وثقافياً في التاريخ السعودي الحديث.
اسمه فؤاد بن أمين بن علي حمزة، وكنيته (أبو سامر)، ولد عام 1899م/‏1317هـ في قرية من قرى قضاء عالية في جبل لبنان اسمها (عبية) وتلقى فؤاد حمزة تعليمه الأساسي في مدرسة القرية، وبعدها انتقل إلى دار المعلمين العثمانية في بيروت؛ إذ نال شهادتها بامتياز، ويظهر أنه التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت ولكنه لم يكمل دراسته فيها.
عمل في مهنة التدريس أثناء الحكم العثماني، وعيّن مديراً للمدرسة النموذجية في طرابلس الشام، ثم أنه بسبب مضايقة الاستعمار الفرنسي رحل إلى سورية عام (1919م) التي كانت تحت مظلة الحكم العربي آنذاك فعمل في التدريس ثم عيّن مفتشاً للمعارف في دمشق، وما لبث حتى انتقل إلى فلسطين بسبب سقوط الحكم العربي واستيلاء الفرنسيين على سورية عام (1920م)، وهناك عمل في التعليم في أماكن عدة آخرها مدرساً في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس، فيما كان يواصل دراسة الحقوق التي نال إجازتها في عام 1926م، وكان في تلك الأثناء على اتصال بالثورة السورية الكبرى التي قامت بقيادة سلطان الأطرش في عام 1925م فما علم إلا وقد جاءه نذير في أحد الأيام يشعره بعزم سلطات الانتداب البريطاني بالقبض عليه فغادر القدس على عجل إلى القاهرة وظل فيها حتى جاءه الفرج ببرقية تطلبه إلى الحجاز للعمل في دولة الملك عبدالعزيز آل سعود المستقلة.
وتتفق المصادر على أن الزعيم السوري المعروف شكري القوتلي (ت1967م) كان السبب وراء التحاق فؤاد حمزة بالعمل عند الملك عبدالعزيز، وهو ما يؤكده فؤاد حمزة في يومياته.
وبخلاف ما أثبتته بعض المصادر ونقله عنها الآخرون بأنه عند قدومه عمل مترجماً للملك عبدالعزيز فإن الوثائق تؤكد أن أول وظيفة شغلها فؤاد حمزة هي (معاون مدير الشؤون الخارجية) في مكة المكرمة وكان مديرها عبدالله الدملوجي وكان تعيينه فيها بتاريخ 3 رجب 1345هـ أي بعد وصوله إلى المملكة بنحو أسبوعين فقط وفقا لـ”عكاظ”.
استمر في عمله معاوناً لمدير الشؤون الخارجية حتى استقالة الدملوجي في سنة 1347هـ/‏ 1928م فصدر أمر الملك عبدالعزيز بتعيينه مديراً للخارجية وقد استمر في منصبه حتى صدور الأمر السامي بتحويل مديرية الشؤون الخارجية إلى وزارة الخارجية لتصبح بذلك أول وزارة في تاريخ الدولة وقد أسند منصب الوزارة إلى الملك فيصل بن عبدالعزيز حين كان أميرا، وعيّن فؤاد حمزة وكيلاً للوزارة اعتباراً من يوم الثلاثاء الموافق 26 رجب 1349هـ/‏1930م.
وقد استمر وكيلاً لوزارة لخارجية نحو تسع سنوات حتى عام 1358هـ/‏1939م عندما صدر الأمر الملكي بتأسيس مفوضية للمملكة في باريس وتعيين فؤاد حمزة فيها بصفته مندوباً فوق العادة ووزيراً مفوضاً، وقد قضى في أوروبا أكثر من ثلاث سنوات كان خلالها شاهد عيان على أوضاعها خلال الحرب العالمية الثانية، حتى صدر الأمر بتعيينه وزيراً مفوضاً ومندوباً فوق العادة لدى جمهورية تركيا في عام 1362هـ /‏ 1943م.
وقد قال الملك عبدالعزيز لفؤاد حمزة بعد عودته وتصوره أن الملك كان من الممكن أن يتركه عالقاً في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية: «والله وبالله إننا لا نهملك إن شاء الله وإن قضي عليك لا نهمل أولادك وسنوصي أولادنا وعيالنا أن لا ينسوا أولادك وعيالك».
وفي 6 جمادى الأولى 1366هـ /‏ 28 مارس 1947م صدر مرسوم ملكي بأنه بناء على أهمية المشاريع الإنشائية والعمرانية التي تقرر إنفاذها لمصلحة البلاد فقد تم تعيين معالي فؤاد بك حمزة وزير دولة وانتدابه في وزارة المالية للأعمال الإنشائية والعمرانية وشركات الاستثمار.
وقد شغل أثناء عمله عضوية عدد من المجالس واللجان السياسية والإدارية منها: لجنة التفتيش والإصلاح 1346هـ، ولجنة سن الأنظمة 1346هـ، واللجنة التنفيذية لمعاونة النائب العام 1347هـ، واللجنة الدائمة بديوان الملك عبدالعزيز 1349هـ، ومجلس الوكلاء عام 1350هـ.
ومن أبرز المهمات السياسية التي اضطلع بها إضافة إلى كونه من مستشاري الملك عبدالعزيز في شؤون الدولة: اشتراكه في الوفد السعودي لإجراء المباحثات الرسمية التمهيدية مع الحكومة العراقية التي عقدت في الكويت 1348هـ/‏1930م وحضوره اجتماع الملك عبدالعزيز مع الملك فيصل ملك العراق في مياه الخليج على ظهر السفينة لوبن، ومرافقته للملك فيصل بن عبدالعزيز حين كان أميرا في رحلته الرسمية إلى أوروبا 1350هـ/‏ 1932م، وتمثيله الحكومة السعودية في المفاوضات مع إمارة شرق الأردن المعقودة بالقدس والتوقيع على معاهدة الصداقة وحسن الجوار 1352هـ/‏ 1933م، ورئاسته للوفد السعودي في مؤتمر أبها 1352هـ/‏ 1934م بين الحكومتين السعودية واليمنية، ومرافقته للملك سعود حين كان وليا للعهد في رحلته إلى أوربا 1354هـ/‏ 1935م، وتمثيله الحكومة السعودية لبحث إنشاء العلاقات الرسمية مع مصر والتوقيع على معاهدة الصداقة وحسن التفاهم في 1355هـ/‏ 1936م، وعضوية الوفد السعودي الذي ترأسه الملك فيصل حين كان أميرا للمشاركة في مؤتمر فلسطين في لندن 1939م/‏ 1357هـ، وعضوية الوفد الرسمي المرافق للملك عبدالعزيز في زيارته إلى مصر 1365هـ/‏1946م، ومرافقته للملك سعود بن عبدالعزيز حين كان وليا للعهد في رحلته الرسمية إلى أمريكا 1366هـ/‏ 1947م، رئاسته وفد المملكة إلى مؤتمر اليونسكو المعقود في بيروت في عام 1367/‏1948م، وغيرها.
ويعد فؤاد حمزة من الشخصيات النادرة التي جمعت السياسة والثقافة والإدارة والقانون في قالب واحد وتعاملت معها في وقت واحد وحققت في كل منها إنجازات جلية، وقد كان بلا جدال مثقفاً واسع الاطلاع ولا شك إن إجادته للغات عدة (الإنجليزية والفرنسية والتركية) ساعده على توسيع مداركه وزيادة معارفه.
مؤلفاته:
أ‌- قلب الجزيرة العربية:
ب‌- البلاد العربية السعودية:
ج‌- في بلاد عسير:
د- وصف تركيا الكمالية (1943- 1945):
هـ- الأوراق والوثائق والمذكرات:
ولهذه قصة دوّنها ابنه عمر إذ ذكر أنه بعد وفاة والده 1951م/‏1371هـ كلف الملك عبدالعزيز السفير السعودي في لبنان آنذاك، أن يطلب من العائلة بعض الأوراق المتعلقة بواحة البريمي لكونها أوراقا دقيقة وملحة فجرت الاستجابة ولكنهم لم يسألوا في حينها عن أي مستندات أخرى، وهكذا بقيت أوراقه محفوظة في أدراجها، ومرت الأيام بل السنوات (نحو 23 سنة) إلى أن جاءهم صديق العائلة المجاهد والدبلوماسي والكاتب والباحث السعودي فهد المارك في أواخر 1974م موفداً من الملك فيصل إذ أبلغهم برغبة الملك في رؤية أوراق فؤاد حمزة وبأسرع وقت قام عمر بجمع ونسخ ما أمكن وذهب لمقابلة الملك بصحبة فهد المارك وعمه توفيق حمزة وقد شكره بعد أن تأمل الأوراق وعرف خط والده وأمر بتأليف لجنة من رشاد فرعون ومدحت شيخ الأرض وتوفيق حمزة لدراسة المذكرات والنظر في إمكان نشرها، وبعد شهر أوصت اللجنة بعدم النشر بحجة الحجب العربية الدائمة «ما كل ما يعلم يكتب، وما كل ما يكتب ينشر»، وهكذا تم دفن المذكرات مرة أخرى وبقيت كذلك حتى جمادى الآخرة 1422هـ/‏سبتمبر 2001م حيث وصل لابنه عمر بن فؤاد خطاب من راعي التاريخ السعودي رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز الملك سلمان بن عبدالعزيز -وكان أميراً للرياض آنذاك- يتضمن طلباً بإيداع أوراق ووثائق والده في الدارة، فاستجاب عمر للطلب ثم أن ابنه قابل الملك سلمان في مكتبه في إمارة الرياض وقدم له مسودة مطبوعة تقارب الـ100 صفحة موضحاً أنها جزء من مذكرات والده وأنه يرغب في نشرها، فأحالها إلى الدارة وطلب منها التواصل والتنسيق للحصول على المذكرات كاملة وقيام الأمين العام الدكتور فهد السماري بإعدادها للنشر، ويؤكد الأمين العام أن أرشيف حمزة في غاية الثراء لاحتوائه أولاً على مراسلاته الخاصة، وثانياً على المئات من ملفات وزارة الخارجية والشعبة السياسية نتيجة ارتباطاته العملية بها.
و‌- المؤلفات المخطوطة:
لقد ترك فؤاد حمزة عددا غير قليل من المؤلفات المخطوطة التي تدل على سعة اطلاعه وتعدد اهتماماته ولكن بعض هذه المؤلفات مسودات تحتاج إلى تنقيح وبعضها بحوث غير مكتملة ومنها: مجموع عن الفرق الباطنية التي أعملت معولها في بنيان الإسلام .
وفاته:
عاش فؤاد حمزة معاناة طويلة مع المرض منذ ريعان شبابه بسبب ضعف في قلبه حتى أنه تنبأ في عام 1925م/‏1343هـ بأن حياته لن تكون طويلة وقد وافته المنية في 22 صفر 1371هـ/‏ 22 نوفمبر 1951م مستشفياً في لبنان عن عمر يقارب الـ52 عاماً ودفن في قريته عبية، قال فيلبي: «وكانت وفاته خسارة كبيرة للسعودية البلد الذي تبناه»، في حين نعته الجريدة الرسمية للدولة وتحدثت عن مآثره وأعماله، وقد عرف عنه -رحمه الله- الشهامة العربية والحكمة السياسية وسعة الأفق وكان ودوداً محبوباً محباً أعمال الخير وعرف عنه التبرع للأعمال الخيرية وبناء المساجد والمدارس وغيرها.





للاشتراك بواتساب مزمز، ارسل كلمة اشتراك إلى الرقم:
00966544160917
للإشتراك بقناة مزمز على تيليقرام اضغط هنـا