صورة لجيجي حديد على غلاف مجلة عربية تشعل الغضبَ في الإنترنت

نجمة منذ الثانية من عمرها، ومُخضرمة الآن في سن الـ21، وأول “عارضة لإنستغرام”.. أحدث صورها بغلاف مجلة Vogue Arabia الجديدة تُسلّط الضوء بالأزياء على جدل التنوّع الثقافي.
قبل وقت ليس ببعيد؛ كانت مُتابعة حسابات التواصل الاجتماعي لشخص ما عاملاً مساعداً لشهرته، وليس تأسيساً لها. كنت تحصل على مُتابعين بسبب مسارك المهني، بدلاً من أن تحصل على مهنة بسبب مُتابعيك، يبدو الآن ذلك العصر قديماً لدرجة تثير السخرية.
وجيجي حديد، عارضة الأزياء الشهيرة واسعة الانتشار والنفوذ العالمي، هي أكثر الأمثلة وضوحاً على كيف أن إنستغرام، وهو تطبيق لمشاركة الصور تأسس عام 2010، أصبح مركزياً للمشاهير ولصناعة الأزياء.
وحديد هي نوعٌ جديد من عارضات الأزياء، بنت شهرتها على مدى شعبيتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث عدد متابعي الشخص يدل على تميزه.
في الأسبوع الماضي؛ ظهرت جيجي حديد على غلاف أول عدد من مجلة Vogue Arabia، والذي يعد الغلاف الـ17 للعارضة المُخضرمة البالغة من العمر 21 عاماً لدى مجلات Vogue. ومع ذلك كان هذا أيضاً أول جدلٍ في مسارها المهني، غير المثير للجدل، الذي حافظت على هذا الجانب فيه بعناية. فصورة جيجي حديد بغطاء الرأس أثارت القلق بشأن التمثيل والتأثير، كما سلطت الضوء على العلاقة المتوترة للأزياء بالمثالية ومجال الأعمال، لكن الصورة ذكّرتنا بالقوّة الهائلة لهذه السيدة الشابة.
معظم القرارات بصناعة الأزياء لا تنبع من المثل العليا التقدّمية؛ بل من الحنكة الاقتصادية. والآن لا تعتمد التوجيهات على الرهان على ميول المستهلك والفكرة الضبابية لروح العصر والذوق، بل على الأعداد الفعلية للمُتابعين لوسائل التواصل الاجتماعي.
تواجد جيجي حديد، التي لديها أكثر من 30 مليون مُتابع على موقع إنستغرام، منطقيٌّ كفتاة للغلاف، ولكن من الناحية الثقافية، فإن وجودها على غلاف مجلّة Vogue Arabia، التي ظهرت عليها مُرتدية حجاباً مُرصّعاً بالجواهر يُعد مسألة أكثر تعقيداً بكثير. كان لباسها مُبهماً، ولكنها بداخل طيّات المجلّة كانت ترتدي الحجاب بشكل لا يقبل الجدل.
وجيجي حديد هي ابنةٌ لعارضة الأزياء الهولندية- الأميركية، التي اشتهرت بحلقات برنامج تلفزيون الواقع Real Housewives of Beverly Hills، يولاندا فان دن هيريك، ومحمد حديد، الذي وُلِد في فلسطين، المُسلم، وأحد أقطاب استثمارات العقارات، لكن جيجي نفسها ليست مُسلمة.

يوم الخميس؛ نشرت جيجي صورة للغلاف الذي علّقت عليه قائلة “بصفتنا مجتمعاً للأزياء، بإمكاننا أن نحتفي ونتشارك الثقافات المختلفة مع العالم. ولكوني نصف فلسطينية، يسعدني للغاية أن أكون على غلاف أول عدد من مجلة Vogue Arabia”.
لم يتقبل الجميع هذا التعليق. فقد انطلقت التغريدات، وانتشر الغضب على الإنترنت ليتناول بعضها ما إذا كان هذا التصرف مناسباً من الناحية الدينية، وعبر البعض عن إحباطهم من أن فتاةً بيضاء البشرة من كاليفورنيا هي أول نجمة غلاف لمجلة Vogue العربية. ألم يكن بمقدورهم استخدام عارضة أزياء مُسلمة؟ وتردد اسم حليمة عدن، عارضة الأزياء الصومالية الأميركية المحجّبة ونجمة أسبوع ميلان للموضة.
فريحة روزين، الكاتبة والناقدة الثقافية المسلمة قالت لصحيفة Observer “أحد الأسباب الحاسمة التي يعد التمثيل مهماً لأجلها هو أنه يسمح للناس بأن تُرى”.
وأضافت “جيجي حديد، على الرغم من أنني أقدّر أصولها، لم يسبق لها أبداً الحديث عن خلفيتها، وبطرق عديدة، هي تتبع مسار العالم كامرأة بيضاء، وهو ما يجعل الأمر مُعقدّاً عندما ترغب في شغل مساحة مثل غلاف مجلة Vogue Arabia. أنا أتفهم أن المُضي في العالم هو رحلة الفرد الخاصة، ولكن كامرأة مُسلمة ذات بشرة ملوّنة، ليس لدي العديد من الخيارات أن أخفي ما أنا عليه، والعديد من النساء المُحجبات ليس لديهن خيارٌ لإخفاء ما هن عليه”.
ومثلما تشير فريحة، هذه لحظة صعبة للعيش في أميركا كامرأة مُسلمة، حيث وقّع دونالد ترامب قراراً تنفيذياً، في يناير/كانون الثاني، بحظر دخول اللاجئين والمهاجرين من سبع دول إسلامية. تم التنديد بالقرار على نطاق واسع واتهم بأن الدافع له هو كراهية الإسلام. وجيجي وأختها الصغرى، بيلّا، كانتا بين الآلاف الذين احتجّوا في مدينة نيويورك الأميركية. وقالت جيجي في وقت لاحق لصحيفة Harper’s Bazaar “لا ينبغي علينا معاملة الناس كما لو أنهم لا يستحقون الرأفة فقط بسبب أعراقهم، هذا ليس صحيحاً”.

هذا التصريح، ورغم أنه صيغ ببساطة ونُبْلٍ، فشل في تناول صناعة تتصارع مع سياسات الهوية. فمظهر جيجي لا يستحضر على الفور كلمة “التنوّع”. فهي رشيقة، ذات بشرة فاتحة اللون، وشعر طويل أشقر. جمالها لافت للنظر وتقليدي على حد سواء.
لا داعي للقول إن هذا ليس خطأها. قالت حديد في حديث لمجلة Vogue الشهر الماضي “إنه أمر مُضحك بالنسبة لي عندما يقول الناس إنني تلك “الفتاة المألوفة” لأني، على الرغم من معرفتي أني قد أبدو مألوفة، إلا أنني من زاوية أُخرى غريبةٌ نوعاً ما. إن كنت أميركية تماماً، ماذا يعني هذا؟ لكن مجدداً، جاء والداي إلى هذا البلد كمهاجرين فقراء، لذا.. ربما أنني أميركية تماماً بعد كل شيء”.
ومجلّة Teen Vogue التي أصبحت مصدراً للتعليق السياسي اللاذع تحت إدارة إلين ويلتيروث، وهي أول رئيسة تحرير أميركية ذات أصل إفريقي، رددت تلك الآراء.
فقد نشرت الأسبوع الماضي مقالاً بعنوان “أهمية غلاف Vogue Arabia في أميركا دونالد ترامب”، وأشادت إيمان بير، وهي كاتبة مُسلمة بقرار المجلّة الشقيقة قائلة إن “Vogue Arabia كان بإمكانها أن تستخدم امرأة بحجاب، أو رمزاً من الشرق الأوسط، ولكنهم استخدموا أميركية. ولإظهار أننا كمسلمين، وكعرب، وكمهاجرين، لسنا ما يقرره الآخرون من أجلنا. نحن متنوّعون. تماماً كالأميركيين”.
وأصول جيجي حديد المهاجرة، في واقع الأمر، أميركية على نحو جميل، ولكن ربما أحد الجوانب الأكثر عمقاً للخرافة الأميركية هي المليونير الذي يصنع نفسه. ففي أميركا، المال يتفوق على ما عداه، وصعود جيجي حديد، وليس تراثها، هو ما يتم الاحتفاء به.
لم تكن صدفة أن دينا الجهني عبد العزيز، الأميرة السعودية ورئيسة التحرير العليا للمجلّة الجديدة قد أثنت على أنه “لا يوجد أول وجه” أفضل ليقود مسؤولية مجلة Vogue Arabia من جيجي، عارضة الأزياء التي تمثل جيل المُستقبل الديناميكي الرائد”.
وهذه الريادة هي بشكل أساسي واحدة من مفردات شبكات التواصل الاجتماعي، فالذي يصنع عارضة الأزياء الآن ليس تماثل الوجه الذي لا تشوبه شائبة، ولا نمط الشخصية القوي، أو موهبة إيجاد زوايا الكاميرا اللافتة للنظر، إنه القدرة على تحويل كل تلك الأشياء إلى اجتذاب لوسائل التواصل الاجتماعي.

وهذا يعني أكثر من مجرّد صور شخصية فنيّة (وهو أمر تفعله جيجي حديد بطبيعة الحال على نحو مثالي)، فهي وأختها بيلّا توصفان على نطاق واسع بأنهما دؤوبتان، و”من أجمل الفتيات في تلك الصناعة”. وإنستغرام يعد وسيطاً مفيداً في هذا الصدد، فالعديد من منشورات حديد يتم التعليق عليها بخالص الشكر والتحيّة لمصممين وعلامات تجارية.
وقد استفادت أيضاً من هذا النوع من الصداقات العلنية للغاية، التي تشكّل نوعاً من تعايش العلامة التجارية مع الأفراد، ويتم خلالها تحقيق المزيد من التسويق لجميع الأطراف.
وعلى الرغم من أن تلك الصداقات نابعة من القلب وأصلية، فإنها أيضاً استراتيجية كبيرة تُدعى “أصدقاء بمنافع عبر وسائل التواصل الاجتماعي”. فلدى صديقها الحميم ومحط إعجاب الجيل، زين مالك، المنشق عن فرقة (One Direction) لديه 20 مليون مُتابع، وأفضل أصدقائها هي عارضة الأزياء كيندال جينر، من عشيرة كاردشيان لديها (75 مليون مُتابع)، وقد التُقِطت صورٌ لحديد في كثير من الأحيان مع تايلور سويفت، وزملائها من العارضات والمُغنّيات والممثلات.
وشأنها شأن الكثير من المعاصرين ذوي الشهرة الفائقة؛ جيجي ليست بالضبط امرأة صنعت نفسها. فقد نشأت في ثراء وامتيازات في لوس أنغليس، وبدأت حياتها المهنية في الثانية من عمرها، بلقطات مصورة لصالح شركة Guess للملابس، وبعد التخرّج من مدرسة ماليبو الثانوية في 2013، انتقلت إلى مدينة نيويورك، وتعاقدت مع وكالة عروض الأزياء IMG، مُنضمة إلى قائمة تشمل جيزيل بوندشين وكيت موس وشانيل إيمان، وفي غضون أشهُر صارت جيجي على نفس قدر شهرة تلك الأسماء.
وفي عام 2014، صاغت النسخة الأميركية من مجلة Vogue مصطلح “فتاة إنستغرام”، لوصف هذا الجيل الجديد من العارضات اللاتي تعد مساراتهن المهنية وحساباتهن على إنستغرام شيئاً واحداً. قالت جيجي في حديث لصحيفة Vanity Fair “إنها ليست وظيفة بساعات عمل من التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءً، فأنت تعمل لمدة 15 ساعة، ثم تعود للمنزل لتتأكد أنك تنشر الأشياء الصحية على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم ترد على رسائل بريدك الإلكتروني. إنه أمر لا يتوقف أبداً”.
ويُطلب من فتاة إنستغرام أن تكون “مألوفة”، فمشاهدة جيجي حديد تقضم البرجر مع جيمي فالون في عرض تلفزيوني بساعة مُتأخرة من الليل (مثلما فعلت العام الماضي، بشكل ساحر) تذكرك بمفهوم الرواج في رواية Gone Girl التي حققت أعلى المبيعات في 2012 للكاتبة جيلان فلين.

“كوني الفتاة اللطيفة يعني أنني امرأة مثيرة، ذكية، مرحة، تعشق كرة القدم، والبوكر، والنكات القذرة، والتجشؤ، وتلعب ألعاب الفيديو، وتشرب البيرة الرخيصة، تأكل الهوت دوغ والبرجر بشكل مجنون، بينما تحافظ على قوام ممشوق، لأن الفتاة اللطيفة هي مثيرة قبل كل شيء”.
فامتلاك وجه جميل الآن هو لا شيء دون امتلاك وصولٍ هائلٍ على الإنترنت، فمن الشائع لدى وكالات عروض الأزياء أن تضع قائمة ليس فقط لقياسات عملائهم، بل أيضاً لعدد مُتابعيهم الإلكترونيين بحسب هافيغنتون بوست عربي.
وبالنسة لجيجي حديد، يعطيها ذلك الرقم نفوذاً غير عادي، فعندما أطلق المصمم الأميركي، تومي هيلفيغر، البالغ من العمر 65 عاماً اسماً على مجموعة TommyxGigi “تومي إكس جيجي” المُشتركة، كان يقول إن المصممين الآن في حاجة إليها بنفس القدر الذي تحتاجهم به –ما لم يكن أكثر- وعارضة أزياء القرن الحادي والعشرين تحتل مكانة أقرب إلى نجمة بوب معاصرة: فهي على رأس شركة تبيع في نهاية المطاف مُنتجاً واحداً.. إنه هي.

للاشتراك بواتساب مزمز، ارسل كلمة اشتراك إلى الرقم:
00966544160917
للإشتراك بقناة مزمز على تيليقرام اضغط هنـا