كيف أسقطت السعودية عقوبات السودان وأعادته لـ صف العرب؟

587c98bbc004e

منذ تولي الرئيس السوداني عمر البشير السلطة عام 1989م، تعرض السودان لأزمات اقتصادية متتالية ومخاطر تشعبت مصادرها، بعضها كان ظاهراً، وكثير منها خفي، تعود في بعض منها إلى الاضطرابات السياسية والحرب الأهلية متعددة الجبهات وسياسة الحكومة المتقلبة؛ لكن وفقاً لخبراء تظل العقوبات الأمريكية السبب المحوري لما ترتب عليها من عزل البلاد عن الاقتصاد العالمي وإضعاف مكانتها.
وقبل عشرين عاماً فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات اقتصادية صارمة على السودان شملت قائمة طويلة من الصادرات والواردات وقيدت التحويلات المالية منه وإليه، ولطالما جادلت الولايات المتحدة أن عقوباتها تستهدف فقط حكومة السودان وليس شعبه؛ إلا أن الأضرار المهولة على الشعب السوداني العزيز كانت واضحة للعيان وهو ما أضعف  الحجج الامريكية تجاه هذا الوضع المحرج وفقا لموقع سبق.
ورغم عدم وجود إحصاءات دقيقة عن إجمالي الخسائر التي تعرض لها السودان جراء العقوبات، فإن مصادر سودانية قدرّت إجمالي الخسائر بنحو 500 مليار دولار، وتقدّر الخسائر غير المباشرة التي يتكبدها السودان؛ جراء العقوبات بأربعة مليارات دولار سنوياً.
وكانت الخطوط الجوية السودانية من أكثر الجهات المتضررة من هذه العقوبات، إذ حُرمت بسببها من الحصول على قطع الغيار والصيانة الدورية لطائرتها، الأمر الذي أدى إلى بقاء معظم أسطول طائراتها رابضاً في أرض المطار.
وتعرض قطاع السكك الحديدية لخسائر بالغة بسبب العقوبات، وفقد 83% من بنيته التحتية مما أدى إلى توقف عدد من القاطرات عن العمل، وتأثر أكثر من ألف مصنع بشكل مباشر بالعقوبات بسبب عدم حصولها على قطع الغيار أو البرمجيات الأمريكية، ووصلت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على جهات وبنوك خالفت هذه العقوبات 1.5 مليار دولار.
وحرمت العقوبات السودان من الأجهزة الطبية والأدوية والمستحضرات الأمريكية، وأثرت، أيضاً، على مهام معامل التحليل الطبية، كما أثرت سلبياً على مرضى بعض الأمراض ومنها السرطان.
وربما يمكن تلخيص مراحل الشد والجذب بين السودان من جهة  وأمريكا وحتى العرب من جهة أخرى في ثلاثة جوانب عاشها السودان تحت وطأة العقوبات المسمومة .
وكان المحور الأبرز هو استضافة الحكومة السودانية آنذاك لأسامة بن لادن مخاطرة بعلاقاتها الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج، ففي الفترة بين عامي 1990 و1996، عاش زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في ضيافة الحكومة السودانية التي جاء بها الإسلاميون بزعامة الدكتور حسن الترابي عام 1989، دون أن يكون معروفاً لدى عامة الشعب السوداني.
وفرضت أمريكا عقوبات على السودان عام 1993، وضع السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، على خلفية استضافته لأسامة بن لادن قائد تنظيم القاعدة.
وبحسب مسؤولين في الحكومة السودانية، آنذاك، كشفوا أنهم التقوا بالسفير الأمريكي وعرضوا عليه تسليم “ابن لادن”، وقد كان ذلك في عهد الرئيس بيل كلينتون، وقد نقل السفير الأمر إلى واشنطن في عهد وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، لكنهم ردوا عليه بأنه لا تهمة لهم يمكن أن توجه إليه ولا يريدون أن يعتقلوه دون تهمة، وغادر فعلياً أسامة بن لادن وبعض من اتباعه إلى أفغانستان عام 1996 على طائرة سودانية؛ لكن مغادرته كانت متأخرة فيما يخص العقوبات الأمريكية.
إلا أن واشنطن صعّدت من خطواتها تجاه السودان بفرض عقوبات اقتصادية عليه في العام التالي، وزادت واشنطن أكثر في تضييقها على السودان؛ حيث قصف سلاح الجو الأمريكي عام 1998 مصنعاً للأدوية في الخرطوم مملوك لرجل أعمال سوداني بحجة أنه مصنع للأسلحة الكيميائية، وبعدها تم خفض التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى درجة قائم بالأعمال.
أما الجانب الثاني والذي عمق الانقسامات الداخلية للسوداني وساهم في تشتتيت جهود الدولة لبسط نفوذها على البلاد هي قضية جنوب السودان وتعقيداتها التي انتهت بانفصالها عام 2011 باستفتاء شعبي، وصدرت مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني من محكمة الجنايات الدولية.
المحور الثالث هو ارتماء السودان في الحضن الإيراني، وتفصيلاً كانت علاقة إيران بالسودان سيئة على إثر تأييد الأخير للعراق في حربه ضد إيران، ولم تتحسن هذه العلاقة إلا بعد الإطاحة بنظام حكم الرئيس جعفر النميري في أبريل 1985، ومنذ ذلك الوقت وحتى 2015 والخط البياني لعلاقات البلدين في تصاعد.
وبدأ الجليد يذوب بين إيران والسودان خصوصاً بعد تولي الإسلاميين السلطة هناك، وكما هو معروف فالسودان هو بحد ذاته تجربة عميقة للإخوان المسلمين وُصفت بالفاشلة جداً، وبعد تولي  الصادق المهدي رئاسة الحكومة السودانية عقب انتخابات عام 1986 تكللت جهود البلدين لتطوير العلاقات بينهما بزيارة “المهدي” طهران، والتي كان من نتائجها عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين، واستمرت العلاقة في التحسن والتطور وزادت الروابط بينهما عمقاً ومتانة في عهد الرئيس عمر البشير الذي تولى الحكم عقب انقلاب عام 1989.
وكانت العلاقات بين البلدين على المستوى السياسي مرتفعة جداً، أما على المستوى الاقتصادي فإن العلاقات التجارية بين البلدين لا تتناسب مع مستوى تطور العلاقات السياسية بينهما؛ إذ لم يتعدّ حجم التبادل التجاري بينهما 150 مليون دولار سنوياً فقط .
ويظهر هذا استغلال إيران للجغرافيا السودانية وتغلغله في عمق الدولة؛ حيث فعلياً تمّ افتتاح أول مركز ثقافي إيراني في السودان عام 1988 في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي، وتزايدت المراكز ونشاطها بعد مجيء نظام الإنقاذ إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 1989 بقيادة الرئيس عمر البشير، وكشفت مصادر سودانية أن عدد المراكز بلغت 26 مركزاً وبفضلها انتشر التشيع الذي يهدد بزيادة تقسيم البلاد الهشة داخلياً.
لكن عاصفة الحزم كانت بمثابة الانقلاب السوداني على سياساته السباقة، وشكّلت مشاركة السودان في التحالف العربي الخليجي ضد الحوثيين في اليمن، مفاجأة مدوية لدى الأوساط السياسية والإقليمية في المنطقة؛ حيث كانت زيارة رئيس السودان التاريخية للسعودية والاستقبال الرسمي والحفاوة الكبيرة من الملك سلمان بن عبدالعزيز للرئيس عمر البشير وما أعقبها من اجتماع  البشير بوزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز قبيل مغادرة البشير للمملكة وأثناء توديع الوزير له، بمثابة لقاء قلب خارطة التحالفات السودانية وقطع أذرع لملالي إيران في شهر مارس 2015 .
وزاد الرئيس السوداني على هذا القرار بإعلانه طرد جميع البعثات الإيرانية من الأراضي السودانية، معلناً عودته للإجماع العربي والخليجي الذي لم يكن بخيلاً يوماً ما على السودان؛ بل أكثر من ذلك أعلن السودان طرد السفير الإيراني وقطع العلاقات نهائياً مع إيران على خلفية إحراق متظاهرين يتبعون للباسيج المقار الدبلوماسية في إيران.
ونجح وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان، وهو كلمة السر، في تغيير جذري لموقف دولة ذات وزن اقتصادي وسياسي مهم، لطالما كانت تقف في الجهة المقابلة ضد الإجماع العربي والخليجي، وهو موقف يصب في الخانة المنشودة، ويظهر العمل الكبير الذي يقوده الملك بإعادة رسم التحالفات في المنطقة وربما رسم خارطة جديدة للمنطقة العربية بشكل كامل.
ووعدت السعودية والإمارات دولة السودان بالرمي بكل ثقلهما لإلغاء العقوبات الأمريكية على السودان، وبالفعل أعلن هذا الأسبوع عن رفع شبه كامل للعقوبات الأمريكية على السودان وهو قرار تاريخي سيعود نفعه على السودان سريعاً، ولم يكن غريباً اتصال الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهد الإمارات بالرئيس السوداني وتهنئته بالقرار التاريخي برفع العقوبات.
وكشفت وكالة الأنباء السودانية سر هذا الاتصال وأعلنت في تقرير لها، أن الملك سلمان بن عبدالعزيز وجه ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ببذل كل الجهود لرفع العقوبات الأمريكية عن السودان، وهو ما تكلل بالنجاح أخيراً رغم استعصائها 20 عاماً.
وأعلن البيت الأبيض أن الرئيس باراك أوباما، قرر البدء في تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ نحو 20 عاماً، تبدأ بعد 180 يوماً قادمة؛ لتشجيع الخرطوم على الاستمرار في بذل مزيد من الجهود في مواجهة الإرهاب وتحقيق احترام حقوق الإنسان في البلاد.
ومن المتوقع أن ينهض السودان بشكل عاجل بعد نفض غبار العقوبات على كاهله؛ حيث أدرك جيداً خطأه الكبير بالاعتماد على دولة معزولة ومصدّرة للإرهاب والشرور في كل أنحاء العالم، وابتعاده عن حضنه العربي الذي استثمر حتى الآن داخل السودان رغم العقوبات بأكثر من 22 مليار دولار مقارنة بإيران، وفي المقابل تظهر المملكة العربية السعودية ودول الخليج أنهم لا يخذلون أبداً حلفاءهم، كما أن أيديهم ممدودة للخير، ولكل ما فيه مصلحة الدول والشعوب العربية والإسلامية.

 للإشتراك في واتساب مزمز، ارسل كلمة "إشتراك" إلى الرقم 00966544160917
 للإشتراك في قناة مزمز على تيليقرام، اضغط هنـا