اعلان

الرواتب والبدلات تسبب الإحباط للقضاة وتدفعهم إلى التسرب

Advertisement

ma11

تدفع العديد من الأسباب الكثيرين من القضاة لإتخاذ قرار الإستقالة وذلك بشكل سنوي والبعض منهم من يطالب بالتقاعد، ويأتي على رأس هذه الأسباب كما أوضح عدد من القضاة أن الجهد الذي يقدمونه في السلك القضائي لا يقابله ما يستحقونه من أجر مالي، في ظل غلاء المعيشة، وعدم حصولهم على مزايا وبدلات، ما يولد حالاً من الإحباط لديهم، ويدفعهم إلى الاستقالة أو التقاعد، في ظل توافر خيارات أخرى أفضل، بينها العمل في المحاماة، أو تقديم الاستشارات القانونية.
هذا وقد كشفت وزارة العدل أن نحو 6 في المئة من القضاة السعوديين يطالبون بالتقاعد أو الاستقالة سنوياً،كما يقدر عدد القضاة في البلاد بنحو 1800، يعملون في 276 محكمة، موزعة على مناطق السعودية.
وأرجع القاضي السابق المحامي حسان السيف، السبب الرئيس لتسرب القضاة إلى «الجانب المادي» ، قائلاً وفقاً لموقع الحياة: «لا يتعين القاضي في هذه الوظيفة إلا بعد أن يخضع إلى تأهيل عال ، ولكنه يكتشف بعد بضع سنوات من ممارسة العمل في السلك القضائي، أنه لو عمل مع زملائه المستشارين الذين يعملون في القطاع الخاص فسيحظى بفرص وراتب أفضل مما يحصل عليه في السلك القضائي».
وأشار السيف إلى ما يتحمله القاضي من التزامات مادية تفرضها عليه المكانة الاجتماعية له بين أسرته وأصدقائه، الذين يتطلعون إلى مشاركته لهم في مناسباتهم الاجتماعية. وأوضح أن هذا يكون سبباً في تحميله «ضغوطاً مادية، ويجعله في حرج كبير، وقد تضطره تلك الضغوط المادية والاجتماعية إلى الاستقالة، إذا توافرت له فرصة عمل بدخل أفضل في القطاع الخاص».
وأضاف المحامي حسام السيف أن من أسباب تسرب القضاة «الجهد الكبير المُلقى على عاتقهم في عملهم، و ضعف تأهيل أعوان القضاة، ونقص عدد الموظفين، ما يضاعف العبء على القاضي، ويجعله يتولى إدارة القضية من الألف إلى الياء. فيما يفترض أن تقتصر مهمة القاضي على درس القضية، وإدارة الجلسة والفصل فيها، وكتابة الحكم».
وأشار السيف إلى أن هناك قضاة يتسربون للعمل في الجامعات، «لأنهم يرون أن العمل الأكاديمي أقل من ناحية الجهد والمسؤولية، في ظل كون راتب القاضي مقارب لراتب عضو هيئة التدريس في الجامعات، فضلاً عن كون العمل الأكاديمي يتيح لعضو هيئة التدريس تقديم الاستشارات لجهات عدة (لا يحق ذلك للقاضي)، ما يحقق له مورداً مادياً إضافياً». ويكمن الحل لهذه المعضلة – بحسب وجهة نظر السيف – في «منح القضاة رواتب ومزايا تناسب مؤهلاتهم وتقارب لتلك المزايا التي يحصل عليها القاضي في حال عمله في شركات القطاع الخاص، وحينها ستتقلص نسبة التسرب إلى 90 في المئة». وأشار إلى أن من أهم ما يحتاجه القاضي «توفير تأمين صحي، وسكن خاص، وتذاكر سفر مخفضة خاصة للقضاة المعينين في مناطق نائية».

النقل يدفع إلى الاستقالة
ومن الجوانب التي تنبغي معالجتها، والتي أكد عليها المحامي السيف، ربط ترقية قاضي الاستئناف مع نقله إلى منطقة أخرى تبعاً، ما يترتب على ذلك واحد من خيارين: إما أن يقبل الترقية ويبتعد عن أسرته التي يرتبط أفرادها في جامعات ومدارس في منطقة إقامته الرئيسة، واغترابه عن ذويه وأقاربه، وتخليه عن ارتباطاته الاجتماعية، واضطراره إلى التنقل بين مقر وظيفته الجديد إلى المنطقة التي تقطن بها أسرته، وتكبده خسائر مادية تتمثل في تذاكر سفر وسكن، أو يعمد إلى خيار آخر يتمثل في استقالته والتحاقه بالقطاع الخاص، أو افتتاح مكتب محاماة في مقر منطقته التي تقطن فيها أسرته، وغالباً سيحصل على دخل مضاعف عما سيحصل عليه في حال ترقيته.
وطالب السيف أيضاً بتطوير بيئة العمل القضائية، بمنح القاضي الحق في التظلم أمام المحكمة العليا، في حال صدور قرارات تأديبية في حقه، وذلك يستدعي تعديل نظام القضاء، بتخويل المحكمة العليا سلطة النظر في اعتراض القضاة على القرارات التأديبية التي تصدر في حقهم.
وأكد ضرورة تحفيز القضاة المميزين والمنجزين، وعدم معاملتهم على حد سواء من الجهة المعنية. وطالب بوضع «معايير دقيقة خاصة بتقويم أداء القضاة، يتم إثرها تقديم حوافز للقضاة المميزين في العمل والانضباط، الذين حققوا مستوى عالياً من الإنتاجية، وسرعة الإنجاز في الفصل في القضايا».
واقترح السيف السماح للقاضي بالتدريس في الجامعات في الفترة المسائية، كما هي الحال مع الأطباء الذي يجمعون مع عملهم الأكاديمي، العمل في العيادات والمستشفيات، «لما يعود على القاضي والطالب من مزايا وإيجابيات، منها رفع مستوى التأهيل العلمي للطلبة، وعدم اقتصار تأهيلهم على الجانب التنظيري فقط. كما أن ذلك سيسهم في تحفيز القضاة على البحث العلمي، ويرفع من مستواهم، وسيكون محفزاً لهم على تجويد العمل، ورفع مستوى الأداء. كما أن ما يقدمه الطالب من بحوث ودراسات، التي غالباً ما يكون لها علاقة بإشكالات تواجه القاضي من واقع الحالات التي تعرض عليهم في المحكمة، كفيل بترك أثر إيجابي على الاثنين، وتقليص تسرب القضاة إلى سلك التعليم».

المعالجة بقرار سيادي
من جهته، قال قاضي الاستئناف عضو مجلس الشورى الدكتور عيسى الغيث لـ«الحياة»: «إن الإرادة السياسية هي الحل لمعضلة تسرب القضاة من السلك القضائي، فلا تملك وزارة العدل صلاحية زيادة رواتب القضاة، وتوفير البدلات، مثل بدل السكن، والتأمين الصحي، وبدل طبيعة العمل، وبدل الحاسب الآلي، والسيارة وغيرها».
وأضاف الغيث: «نحن فمجرد ناصحين لا نملك أكثر من تقديم مقترحات وتوصيات»، مشيراً إلى توصية مجلس الشورى الخاصة بتسرب القضاة، التي صدرت تبعاً للتقارير السنوية التي تقدمها وزارة العدل للمجلس، ويتم إثر تلك التقارير متابعة المجلس ومراقبته لها، وإصدار التوصيات ورفعها إلى ولي الأمر.
ووصف من يعمل في السلك القضائي من القضاة بـ«المحتسب»، لافتاً إلى أنه «موظف يقدم خدمة وطنية، من أجل مصلحة الوطن والمواطنين في الوقت الذي أدى ضغط العمل وتضاعف عدد المراجعين وقلة المدخلات المالية إلى استقالة الكثير منهم». وأردف: «لا يتجاوز راتب قاضي الاستئناف، الذي يمثل هرم السلم القضائي عشرة آلاف دولار، في حين أنه سيحصل على أضعاف مضاعفة من راتبه في القضاء، في حال فتحه مكتب محاماة اكتسب صيتاً اجتماعياً جيداً، ولديه خبرة قضائية سابقة».
وكشف الغيث أنه سيلتحق بالمتسربين من السلك القضائي بعد انتهاء دورة مجلس الشورى الحالية، حينها ستنتهي عضويته في المجلس، ويفترض أنه سيعود إلى السلك القضائي الذي جاء منه إلى المجلس. وقال: «إن تسرب القضاة انتقل من كونه مظهراً إلى ظاهرة، لعدم تجاوب الجهة المعنية لمطالبهم وحقوقهم التي لم تر النور طوال سنوات ماضية، ما جعل القضاة يشعرون بالإحباط».

الغيث: «الشورى» صوت ضد المزايا بسبب سمعة القضاة «المشوهة»
تقدم عضو مجلس الشورى الدكتور عيسى الغيث بتوصيتين إلى المجلس، يطالب فيها بمنح القاضي بدل طبيعة عمل، وبدل حاسب آلي وغيرها، استناداً إلى تقارير وزارة العدل وديوان المظالم، «إلا أن غالبية أعضاء المجلس أسقطوها، لعدم رغبة معظم الشوريين في تحقيقها».
وقال الغيث: «يبدو أن بعض المواقف الاجتماعية السلبية التي ظهر بها بعض القضاة أمام المجتمع في صورة سيئة، أسهمت في تشويه سمعة القضاة أمام الرأي العام، بمن فيهم أعضاء مجلس الشورى، الذين حملوا بدورهم مسؤولية مثل تلك الأخطاء الفردية على مجمل القضاة»، لافتاً إلى أن ذلك لعب دوراً في خلق «هوة بين القضاة والمجتمع أخذها الشوريون بعين الاعتبار، ما أدى إلى تكريس صورة نمطية بأن القضاة يظلمون غيرهم، ولا يحسنون التعامل مع الناس، ولا يردون السلام. وهذا الأمر غير صحيح لو انطبق على 1 في المئة، فبالتأكيد سيسهم في تشويه الـ99 في المئة منهم».
وقارن الغيث بين ما يحصل عليه موظفي قطاعات أخرى من مزايا وبدلات ويفتقر إليها القضاة، إذ يحظى موظفو بعض القطاعات المدنية (هيئة مكافحة الفساد، وهيئة التحقيق والادعاء العام)، والقطاعات العسكرية (بعض مديريات وزارة الداخلية وغيرها)، وقطاعات أخرى، مثل «أرامكو السعودية»، و«الخطوط السعودية»، و«الكهرباء» و«سابك» ببدلات كثيرة وتأمين صحي، يفتقر إليها القضاة الذين غالباً ما يرد على مطالبتهم بالتأمين من الجهة المعنية: «مثلكم مثل غيركم من المواطنين، لديكم مستشفيات وزارة الصحة، تفي بحاجتكم». على رغم أن موظفي القطاعات الأخرى بإمكانهم أيضاً الاكتفاء بمستشفيات وزارة الصحة أيضاً.
وأضاف: «ليس مستغرباً أو مستنكراً، أن يتسرب القضاة عندما يرون أن موظفي هيئة مكافحة الفساد وآخرين في جهات عسكرية ومدنية وأمنية يحظون بدخل ومزايا تفوق بأضعاف ما يحصل عليه القاضي، على رغم ما يقوم به من جهد كبير ودراسة قضايا مساء، وتباين أنواعها».

الجذلاني: بيئة العمل «طاردة» وتقدير الكفاءات «مفقود»
عزا القاضي السابق المحامي محمد الجذلاني، أبرز أسباب تسرب القضاة إلى «جوانب مادية، لانعدام الحقوق الوظيفية للقضاة، المتمثلة في المزايا والرواتب التي يحظى بها موظفو قطاعات أخرى، تتجسد في السكن، والتأمين الصحي وغير ذلك».
وقال: «إن بيئة العمل القضائي طاردة، بسبب كثرة القضايا وضغوط العمل، وانعدام الوسائل المساعدة التي تعين القاضي على الإنجاز، مثل توافر الأعوان المؤهلين، من المستشارين والباحثين ونحوهم»، مضيفاً: «إن حركة ترقية قضاة الاستئناف تكون دائماً في مناطق غير التي يعيش ويسكن فيها القاضي، ما يضطره إلى الاستقالة، لعدم قدرته على الانتقال».
وأضاف الجذلاني: «إن سوق المحاماة يوفر إغراءات مالية، تحفز على ترك القضاء والتوجه إليها، إذ يكفي أن ينجح المحامي في قضية واحدة من شأنها توفير مردود مادي له يزيد على دخله في القضاء طوال 10 إلى 20 عاماً». وعزا حال الإحباط المنتشرة في أوساط القضاة إلى «عدم تقدير الكفاءات المميزة منهم، وذهاب الفرص في المناصب والامتيازات المعنوية والمادية لغيرهم، من دون معايير عادلة، بل بحسب العلاقات الشخصية أسهم في تسرب القضاة».