اعلان

صور: على خط النار من ظهران الجنوب إلى جوة آل مفضي.. معايشة الأبطال تصحح المفاهيم وتسقط الأوهام

Advertisement

05AW28J_0111-1

في زيارة قامت بها صحيفة الوطن للحدود الجنوبية عايشوا فيها الأبطال يروون تفاصيلها حين اتجهنا يوم الثلاثاء الرابع عشر من محرم الموافق 27 أكتوبر من أبها إلى الحد الجنوبي، مروراً بأحد رفيدة وسراة عبيدة كنا نرى الشوارع والمباني والمدن هي نفسها التي تراها ونراها في النماص وبلجرشي والباحة والطائف، ونحس الحياة آمنة رخية وادعة، وهو الإحساس الذي يشعر به إنسان هذه الأرض أينما أقام وحيثما اتجه.وحين تقبل على ظهران الجنوب تصافح عيناك جبل شثاث الأشم بامتداد شموخه الذي يبلغ 2600م ولونه الداكن، حيث يقف شاهدا على العصور، يحدث أحاديث القرون الغابرين، وكأنه يطل على تبع اليمن أسعد أبو كرب الملك الحميري الذي شق لجيشه طريقاً عبر جبالها، وغزا بعد ذلك يثرب، وأدخل اليهودية إلى اليمن فيما رواه ابن كثير، كما يحدثك شثاث عن جيش أبرهة الذي توجه لهدم الكعبة وعبر ذات الطريق، ولهذا سُمي جبل شثاث بحارس ظهران الجنوب.
دخلنا المحافظة والعلم السعودي الأخضر بكلمة التوحيد والسيف يستقبلك أول ما تدخل ظهران، متربعاً على جبل العَمدة، مشرفا على المدينة، وبرفقتنا المقدم الدكتور شايع بن خالد بن شري رئيس قسم الشؤون العامة بقيادة حرس الحدود بمنطقة عسير، والأخ عبدالعزيز عسيري ابن قرية طبب العريقة، واستقبلنا العقيد خميس الزهراني قائد قطاع حرس الحدود بظهران الجنوب، ويأسرك حين يتحدث عن ظهران والناس والسنوات العشرين التي أقامها فيها، يكلمك عن المدينة بحب وعن أبنائه وجيرانه، لا شيء يذكرك بأجواء الحرب سوى الملابس العسكرية التي يرتدونها وأجهزة اللاسلكي التي نلتقط منها شذرات وعبارات ورموز ولفظ مقذوفات تمر على أسماعنا وأسماعهم وكأنه جزء من الحديث المبعثر الذي تلتقطه الآذان في الأماكن العامة.
وفجأة سمعنا دوياً قطع السكون الهادئ، وازدادت حركة الأفراد واتصالاتهم لنعرف من خلال الحديث أن هناك صاروخ كاتيوشا أطلقه الحوثيون، وسقط في ساحة ليست بعيدة عنا، وانطلق الزميل يحيى الفيفي مع الأفراد، وعاد بعد دقائق ومعه صور لآثار الصاروخ على أرض خالية، وقال العقيد خميس سيكون هناك صاروخ ثان بعد 8 – 10 دقائق من نفس المصدر ضمن إطلاقات المقذوفات العشوائية من الحوثيين، ويظهر أن الجميع هنا حفظ كل خطوات الحوثيين وتصرفاتهم، ولم يعد هناك أي أمر مفاجئ لهم، سألته عن توقعه للرمي التالي فقال: هذا صاروخ كاتيوشا، ويحتاجون إلى حوالى 10 دقائق لتجهيز منصة الإطلاق وتلقيم الصاروخ الثاني، وبعد إطلاقه يندسون ويهربون لأن طيران التحالف سيتعقب مصدر النيران ويقصفها ويسكتها، وفعلاً بعد 10 دقائق سمعنا دوي الصاروخ الثاني، وأجهزة الاتصالات تشتعل بالمعلومات عن مكان وقوع الصاروخ، والجملة التي تتردد: هل أصيب أحد؟ هل الجميع سالم؟ الجميع تعايش مع المقذوفات، ويطمئن العسكريون على المدنيين كأفراد الأسرة الواحدة.
انتقلت مع العقيد خميس والدكتور شايع إلى موقع الصاروخين وهما غير بعيدين عنا، الأول كان في أرض خلاء، والثاني وقع على سور منزل الشيخ يحيى القاضي، وهو رجل بلغ المئة من سنوات عمره، وأصر عليه أبناؤه وأقاربه أن يغادر إلى خميس مشيط اتقاء من المقذوفات العشوائية، ولكنه أصر على البقاء مثل معظم سكان المحافظة، وأصاب المقذوف جزءا من سور البيت وسيارة الشيخ يحيى وهي من نوع صالون تويوتا وتعد من أقدم السيارات في المحافظة من هذا الطراز، واحتفظ بها ورفض بيعها، عندما رأيت أقارب الشيخ وجيرانه يتوافدون إلى المنزل للاطمئنان عليه، وشاهدت الشظايا التي أفسدت طلاء المنزل الخارجي، تذكرت حداء أحد شيوخ عتيبة وأظنه محمد بن هندي عندما قال عن البنادق التي تسمى الموارت:
رمي الموارت ما بها نوماس
حذفة شرود من بعيد
علي قبض عنانها والراس
والله يدبـر ما يريـد
وهو ينطبق تماماً على ما يقوم به الحوثيون من قذف عشوائي بالكاتيوشا على ظهران الجنوب، فالمسافة بينها وبين الحد تبلغ نحو 15 كيلومترا، ومدى صواريخ الكاتيوشا الموجودة بأيدي الحوثيين لا يتجاوز 25 كيلومترا مع أن هناك أنواعا منها يبلغ مداها نحو 70 كلم، وليس أدل على حذفة الشرود من بعيد أنه منذ أشهر بداية الحرب حتى الآن مع إطلاق الصواريخ المتكرر والمستمر توفي فقط من جرائها اثنان، أحدهما من الإخوة اليمنيين، والآخر طفل بريء كان يلعب في الشارع.
اتجهنا من ظهران الجنوب إلى الحد، ومررنا بمنفذ علب الحدودي الذي كان مغلقا من الجانب السعودي ومدمراً تماماً من الجانب اليمني، وفي الأفق صعدة على بعد 85 كلم من الحدود، وفي الطريق باتجاه المواقع الأمامية للجيش السعودي وحرس الحدود كنا نشاهد أفراداً من القوات البرية وحرس الحدود في نقاط مراقبة مشتركة أو مستقلة تحت قيادة واحدة، نراهم في نقاطهم ودشمهم يطلون علينا مرحبين، تلمح في وجوههم صرامة المقاتل وحزمه وروحه المعنوية العالية، لا تمنع ظروف الحرب والمرابطة والمواجهة اليومية من الأعداء من أن يقابلونا بابتسامة وتلويحة يد وإشارة النصر بالأصبعين، عين تطل علينا مرحبة، والأخرى راصدة متجهة إلى الجبال المقابلة حيث المناطق اليمنية، وفي الطريق تشاهد القرى السعودية الحدودية التي أخليت منذ بداية الحرب وعوض ساكنوها بأماكن أخرى أكثر أمنا وسلامة، أقف على قمم جبال مندبة الشاهقة وأشاهد الجبال المتصلة والمتراصة، ويشير لنا العقيد خميس إليها: هذه جبال سعودية والجبل الأبيض المقابل له يمني وعلى يمينه جبل سعودي والقمة التي تراها يمنية وتلك القرية في الأسفل هي قرية مريصغة اليمنية، تطل بعينك، وترى أغصان القات الخضراء على حواف الجبال والمزارع اليمنية.

وأنا أقف على قمة جبل مندبة أسمع دوي إطلاق مقذوف صادر من الأراضي اليمنية من خلف الجبال، وبعد ثوان أرى دخانا على الأرض موقع سقوط المقذوف، في وقفتنا تلك شاهدت نحو (8) مقذوفات سقطت على سفوح تلك الجبال الجرداء وعلى بعض الشعاب القفراء، وعلمت أنها جميعا مقذوفات عشوائية من مدافع هاون التي لا يتعدى مداها أكثر من 3 كلم، ولأن مدافع الهاون خلافا للكاتيوشا تطلق إلى الأعلى باتجاه الهدف ثم تسقط على الأرض كان الحوثيون يستترون خلف الجبال العالية ويطلقون قذائفهم بشكل عشوائي في النهار غالبا، وقد يضبطون إحداثياتهم البدائية في النهار ثم يطلقونها في الليل في أحيان قليلة، لكنهم بعد الإطلاق يهربون سريعاً حتى لا تدركهم طائرات الأباتشي ولسان حالهم يقول:
وفي الهيجاء ما جربت نفسي    ولكن في الهزيمة كالغزال
ثم اتجهنا إلى النقاط الأمامية المواجهة تماماً للجانب اليمني عبر عقبة الجوة، وهي عقبة صعبة شقها سلاح الحدود عام 1429 بجهدهم الذاتي وآلياتهم ومهندسيهم، طولها 2 كيلو متر في حين أن الطول الإجمالي لها إلى مركز الربوعة المتقدم يبلغ 15 كلم، وفي مركز الجوة المنسوبة إلى قرية آل محضي قابلنا قائد المركز رئيس رقباء حسين شلوان الذي تراه بسحنته الداكنة وعينيه المتوقدتين وابتسامته الواثقة وحركته الرشيقة متنقلا من جبل إلى جبل، وكأنه موكل بهذه الجبال يذرعها شبراً شبراً، وحسين قائد المركز رفض العمل المكتبي وأصر على العمل الميداني، وكان يقود المصفحة التي تقلنا ببراعة وخفة رغم ثقلها الذي يتجاوز الخمسة أطنان ومعنا العقيد خميس والمقدم شايع والزميل يحيى الفيفي مخترقين العقبة الوعرة التي لم أكن أظن أن عربتنا مهما كانت قوية ومصفحة تستطيع تجاوز الصخور الكبيرة والحفر العميقة ورؤوسنا تصطدم بقوة بسقف المركبة المصفحة، ولولا الخوذات التي نعتمرها لبقيت أجزاء مني في جوة آل محضي.
وأخذنا حسين شلوان إلى نقاط الرقابة المتقدمة في مركز الجوة، وهي أسلحة وحظى والرهوة وجبل وعال وكذلك نقطة عين ظبية، وعلى طول الطريق كان قائد حرس الحدود بمنطقة عسير اللواء مسفر أحمد الغامدي ومساعده اللواء سعيد المهجري يتصلان للاطمئنان على سلامتنا على الرغم من أن حماسنا يدفعنا إلى أن نتقدم أكثر والعقيد خميس والدكتور شايع يحاولان بأدب جم كبح جماحنا وإعادتنا من النقاط التي نقف عليها، مع أن الحدود بالنسبة لنا نراها آمنة، والمقذوفات العشوائية التي واجهناها على الحد والصاروخان في ظهران الجنوب لم تشعل في داخلنا إلا إحساساً بالأمن بوجود القوات البرية وسلاح الحدود على الجبهة يمازجه إحساس بالفخر ومشاركتهم بنداء الواجب ولو وجدانياً بأضعف الإيمان، حتى نيران القناصة التي كانت في فترة سابقة لم تكن ذات فعالية لثلاثة أسباب أولها: أن جنودنا حفظوا طوبوجرافية المنطقة شبراً شبراً بحيث لا يتحرك شيء إلا ويتم رصده، وثانيهما: مراكز الرقابة الموزعة بعناية والمنتشرة بطريقة تغطي كل قمة وسفح وشعب وغار وواد ومسيل، وثالثها: أن السيارات المصفحة التي وردت لجنودنا إضافة إلى المركبات السابقة لها جعلت جنودنا يشعرون بأمان في تنقلاتهم داخلها أو في تحصينات الدشم والمراكز، ويدل على ذلك أنه رغم مرور سبعة أشهر على بدء الحرب واستماتة الحوثيين في التسلل والاقتحام والقنص والرمي لم يستشهد من سلاح الحدود على طول خط المواجهة في نجران وعسير وجازان إلا نحو 14 شهيداً، ومثلهم تقريبا من الجيش.
وحتى المناطق التي زرعها الحوثيون وقوات الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح بالألغام معروفة ومكشوفة لقواتنا رغم تحايل العدو بتغطية اللغم بطبقة بلاستيكية بحيث لا تكشفها كاسحة الألغام عندما تمر فوقها، فإذا مرت مركبة عادية ثار اللغم تحتها، ومع ذلك لم يصب أحد من الجنود أو المدنيين بها، وكل الألغام التي ثارت أو قرحت كان ضحاياها من المواشي التي ترعى في تلك الجبال.
في هذه الجولة ترسخت أمور وتعاظم إحساس وسقطت أوهام وتصححت مفاهيم عديدة من أبرزها:
1- البعيدون عن الجبهة والذين يسمعون عن سقوط المقذوفات ووفاة بعض الشهداء من المدنيين والعسكريين يظنون أن الوضع مخيف وغير مطمئن، وهناك أصدقاء ومحبون أشفقوا عليّ من زيارتي هذه واعتبروها مجازفة ومخاطرة، ولكن حين زرنا المواقع المتقدمة التي يقف عليها الجيش السعودي وسلاح الحدود في قطاعي عسير وجازان ويشاركهما الحرس الوطني في قطاع نجران، وشاهدنا كيف يضبط جنودنا الحدود ويتعاملون مع مواقع النيران علمنا علم اليقين أن هذه البلاد محمية بعد الله بإرادة قادتها وسواعد رجالها.
2-  كنا في السابق نعيب كثيراً على سلاح الحدود وبقية الأجهزة أعداد المتسللين المتدفقة والمهربات من الأسلحة والذخائر والمخدرات والمسروقات على الجانبين، وعندما شاهدت رأي العين وعورة هذه الجبال الشاهقة وتداخلها حين ترى جبلا يمنيا وبجواره جبل سعودي ثم تدخل باتجاهنا أرض يمنية وتندفع باتجاه اليمن أرض سعودية، وهاتفك الجوال يكون على شبكة سعودية وبعد أمتار على شبكة يمنية ثم سعودية ثم يمنية أدركنا بصدق الجهد الشاق الذي يقومون به والإنجاز الذي يحققونه مع ما يمكن أن تقع فيها أخطاء تحصل في أي جهد بشري وتستدرك وتعالج مع الوقت.
3- نقرأ أحياناً في وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض المواقع الإلكترونية عن وجود اختراقات حوثية أو يمنية في الحد الجنوبي وأنهم تغلغلوا وأسروا وقتلوا وهو خبر يحتمل الصدق والكذب، ولكن من يشاهد جنودنا في المراكز المتقدمة ومسانديهم في المراكز الخلفية وإصرارهم وتوزعهم في النقاط المتقاربة يتأكد لديه أنهم يعرفون حتى دبيب النملة.
4-  ترد أحيانا أخبار عن خيانات تحصل من أفراد أو عملاء بتزويد الحوثيين بإحداثيات المواقع عن طريق خاصية تحديد موقع، وبموجبها يتم قصفها واستهدافها، يضحك أبو زياد من هذه الأخبار ويتحدث بوعي عن أن الأمور أسهل من ذلك وأبسط، ويفتح جواله ويريك خرائط جوجل وفيها كل بيوت المحافظة ولا تحتاج إلى خيانات أو تسريبات، كما أن تويتر يقوم بأخطر من ذلك حيث يغرد المغردون كتابة وبالمقاطع المصورة عن أماكن سقوط المقذوفات وآثارها بالتفاصيل والأسماء وعلى الرغم من ذلك كانت كل مقذوفاتهم عشوائية.
وختاما أسأل الله العلي القدير أن يحفظ جنودنا حامين حدودنا، وأن يبقيهم لأهلهم ووطنهم ويسدد رميهم وينصرهم.
عززت وزارة الداخلية ممثلة في المديرية العامة لحرس الحدود، قطاع ظهران الجنوب الحدودي بمنظومة متكاملة من الأجهزة والآليات القتالية والدفاعية، تستطيع من خلالها القيام بمهمات العمل في أصعب الظروف المختلفة للتصدي لمحاولات التسلل وتأمين الشريط الحدودي المحاذي للأراضي اليمنية.
وكشفت جولة قامت بها “الوطن” على الشريط الحدودي مدى الجاهزية العالية والتطور الكبير الذي يشهده قطاع ظهران الجنوب، من خلال تسليح أفراد القطاع بأليات وسيارات مصفحة حديثة مضادة لجميع أنواع الأسلحة والمقذوفات ويتكون طاقمها من خمسة أفراد يستطيعون من خلالها الرماية بالأسلحة الفردية وقنابل “آر بي جي” والقنابل اليدوية المختلفة.
وأوضح المتحدث الإعلامي لقيادة حرس الحدود بمنطقة عسير المقدم بحري الدكتور شايع خالد القحطاني في تصريح خاص إلى “الوطن” أنه بمتابعة مباشرة من قائد حرس الحدود بمنطقة عسير اللواء سفر بن أحمد الغامدي تم أخيرا دعم الدوريات البرية على الحدود بقطاع ظهران الجنوب بسيارات مصفحة ومجهزة بكامل المعدات القتالية المتطورة التي تمتلك مواصفات حديثة عالية الجودة للتصدي لأي محاولات للتسلل أو التهريب على كافة أطراف الشريط الحدودي في القطاع.

000fsdfsdf0

04AW28J_0111-1

04AW28J_0111-2
04AW28J_0111-3

04AW28J_0111-4

04AW28J_0111-5
04AW28J_0111-6  05AW28J_0111-6
05AW28J_0111-7