صحفي يزاحم المشجعين ويفك طلاسم ملاعب الكرة ويكشف حكاية الشال والسيجارة

h

محرر صحيفة “المدينة” يروي رحلته في ملاعب الكرة للكشف عن اسرارها .. كنت تواقًا لكشف طلاسم الملاعب الرياضية التي يعرفها ويجهلها الرأي العام في وقت واحد وإزالة اللثام عن دنيا حسبناها 90 دقيقة فقط، فإذ بها أطول من ذلك بكثير، فتعالوا لنعيش معًا المباراة التي كسرت كل القوالب بدأتها بلا فانلة وشورت ولم أنتظر فيها الصافرة ورغم ذلك أحرزت الهدف.
الوصول إلى الملاعب الرياضية -وإن بدا سهلاً- إلا أن العودة منها يبدو هو الصعب حقًا فالجميع يخرج في وقت واحد بعد نهاية اللقاء مباشرة ولأن الخروج خانق ومخيف يعمد الأكثرية لمغادرة الملعب عند الدقيقة 80 من شوط المباراة الثاني فوقتما تعلن ساعة الملعب عن هذه الدقيقة بالتحديد يبدأ عشرات الآلاف من المشجعين في ترك مقاعدهم متوجهين إلى البوابات حتى لو كانت المباراة ساخنة والنتيجة لم تحسم بعد.. ليس هذا هو الفصل المُدهش في الحكاية بل تبدأ بعدها رحلة البحث عن المركبة فالغالبية العظمى ينسى أين أوقف سيارته، حيث لا علامات بارزة وواضحة لمواقف السيارات يستطيع أن يستدل بها المشجع على مركبته التي أوقفها بين ثلاثين أو أربعين ألف مركبة، وتشاهدهم في منظر رهيب كمن أضاع طفلاً ويبحث عنه يلتفت في كل اتجاه، ويستعينون بريموت السيارة لتضاء لهم فلاشاتها من بعيد أو يسمع صوت “بوق” المركبة فيتجه لها أو يعتلي إحدى المركبات الأخرى ويمعن النظر يسرة ويمنه ولكن في الجانب الآخر من المشهد هناك من لايبالي بوقت الخروج وهم أهل الدراجات النارية فهم آخر من يخرج من الملعب وأول من يغادره مستعينًا بدراجته النارية التي تسمح له بالخروج بين أرتال السيارات كالشعرة من العجين.
لتذاكر المباريات سوق سوداء عنوانها “الربح” فأباطرة السوق يستغلون عاطفة المشجع تجاه ناديه ويبيعون التذكرة بأربعة أضعاف سعرها وهذا ما شهدته بنفسي في لقائين جماهيريين تقمصت فيها أدوارًا عدة كان من ضمنها بيع التذاكر للمشجعين في وضح النهار حيث تم أخذ عدد من التذاكر أكثر من حاجتي واحتفظت بها إلى يوم اللقاء الرياضي المرتقب، توجهت بها بعد ذلك إلى الملعب وتجولت بين المشجعين باحثًا عن من يشتري هذه التذاكر مني حيث تفاجأت بأن الجميع يرغب بها برغم أن التذاكر متوفرة في شباك التذاكر كل ذلك لادعائي بأن التذاكر قد نفذت وهذا ما تم حيث بيعت كافة التذاكر التي اشريتها بمبلغ الـ35 ريالاً لأبيعها في لقائي الأول بـ50 ريالًا وفي اللقاء الثاني الأكثر سخونة وجماهيرية بـ70 ريالًا حيث إن التذاكر حينها نفذت ولو حرصت على أن أرفع أكثر في ثمنها لنجحت في ذلك، وكنت حين أبيع التذاكر أترقب كيف سيتم القبض علىّ أو أن يستنكر أحد فعلتي.
شراء العلم والشال وقت المباراة واجب كواجب الحضور والمؤازرة، وهذا ما لمسته حينما اتجهت ببضع شالات وطواقي في لقائين رياضيين، حيث اقتنيت درزن من الشالات بـ70 ريالاً قبيل المباراة ووضعتها في سيارتي.. كنت أتساءل هل يمسك بي رجال الشرطة أم سأجد هناك مراقبي البلديات أم أن هناك جهة أخرى، ذهب الخوف كله عندما توقفت بسيارتي بمواقف الملعب وأنا أشاهد أبناء “الجالية البرماوية” وهم يسيطرون على المشهد هناك.. كانوا في كل مكان يعبر منه المشجع إلى الملعب بعد آخر محطة وقود في طريق الملعب وجدتهم فارشين مباسطهم هناك، وفي أطراف الملعب بل وأمام شباك التذاكر، اخترت مكانًا قريبًا جدًا من الملعب جلست وأحاط بي المشجعون من كل اتجاه، بدأت في التأقلم وبيع الشالات التي اشتريت درزنها بي 70 ريالاً بـ15 ريالاً كان الأمر ممتعًا ومربحًا أي تجارة هذه التي تأتي بربح 200%.. لم يعد هناك ما يخيفني لأنني بعد مرور أقل من الساعة تأكدت أن لا أحد يبالي بهؤلاء ولا أحد يضبط سعرًا فالفوضي التجارية هي العنوان الأبرز هنا، وحيل أصدقائي “البرماوية” كانت ملفتة ايضًا حيث إن لهم طريقة في البيع وأسلوبًا في المراقبة والمتابعة حيث يترك الأطفال الصغار هم من يبعون بالمباسط التي تحتوي أعدادًا قليلة والكبار على مقربة منهم يراقبون من يبيع ومن يشتري ومن قد يخالف أو يضبط المخالفين ويحتفظون بالكميات الأكبر إلى أن تنفذ ما بين أيدي الصغار ويأتون للتزود بالمزيد من الشالات والأعلام والطواقي.
أن تحصل على التذكرة لا يعني أنك حصلت على مقعد، ففي لقاء آسيوي كبير تيقنت من هذه المقولة الدارجة بين المشجعين حيث إن التذكرة لا تعني أن هناك مقعدًا ينتظرك فلقد أخذت تذكرتي وذهبت بثقة إلى المدرج لكي أبحث عن مقعد لي ولكن لم أجد المقعد، تعبت قدماي وأنا أتجول بين المدرجات وبرغم ان المشجعين كلهم لذات الفريق ضد الفريق الأجنبي إلا أن ذلك لم يشفع لي، فبعض المشجعين يسيطرون على جزء من مقاعد المدرج أكثر من حاجتهم، وهذا ما حدث لي حيث وجدت مقعدًا وهممت بالجلوس على المقعد الشاغر إلا أن الرد أتى لي فورًا بأن هذا المقعد “محجوز” لصديقنا ذهب إلى دورات المياه وسوف يعود، وقد وقفت أترقب متى يعود صديقهم الذي لم يعد أبدًا لأعاود المحاولة لعلهم يسمحون لي بالجلوس، وصدمت من ردهم حيث قال أحدهم لي تبي المقعد؟ أعطني 50 ريالًا ونتركه لك وإلا سوف تظل بانتظار صديقنا القادم من الحمام ولك حرية ما تفعل.
وأنا أتجول بين مطاعم الوجبات السريعة بالملاعب شعرت أنني في بلد آخر لا يخضع لقوانيننا ولا لأنظمة وزارة التجارة لدينا فالأسعار ارتفاعها مفجع ولا بديل لك إلا أن تشتري فلا صوت هناك يسمع، فعبوة المياه التي يقدر ثمنها بنصف ريال في أي بقالة أو مطعم على بعد كيلومترات خارج هذه الملاعب يصل سعرها لـ ريالين والعصير الذي سعره ريال يصل لثلاثة ريالات، وأنواع التسالي من لوز وفصفص بريال وصلت أسعارها لـ ثلاثة ريالات، ناهيك عن جودة الطعام والشراب التي تكون عادة أقل من الجودة التي تجدها في الخارج.
برغم قرار منع التدخين بالملاعب والمرافق الرياضية الحكومية إلا أن أيًا من ذلك لايطبق، فالدخان يتواجد وتجارته بداخل المدرجات أصبحت بالسجارة الواحدة قررت أن أوصل لأحد منهم فلم أجد أي صعوبة فعدد ليس بقليل من عمال النظافة والعمالة بالمطاعم يبيعون السيجارة الواحدة بريالين، حيث إنني توجهت لأكثر من واحد منهم واشتريت منه سيجارة من أي نوع أختاره أو أطلبه برغم أنني لست مدخنًا، ولكنني حرصت على شرائها، ومع كل ما ذكرت تأتي الفاجعة الكبرى فنحن نشاهد المدرجات تكاد تختنق بالجماهير وتأتي الارقام التي تعلن عن الحضور الجماهيري صادمة جدًا وأقل بكثير مما هو متوقع، وكنت في حضوري أرصد وأتابع دخول الجماهير لكي أصل إلى جواب عن تساؤل الكثيرين حول مقاعد الجماهير الممتلئة والأرقام المعلنه، فكان مما شاهدته بأم عيني وبرغم البوابات الإلكترونية التي أتت لكي تقضي على الدخول بدون تذاكر ولكن ما شاهدته أنه في أوقات يدخل مشجعان بتذكرة واحده من البوابات الإلكترونية ويدخل الأب ابنيه بتذكرة واحدة، ومن أبواب أخرى يتم التساهل في دخول الجماهير من قبل المراقبين عليها، حيث إن جل المراقبين على البوابات والمنظمين شباب صغار السن ويعملون باليومية.
من ينتظر حتى انصراف المشجعين عن المدرجات سيشاهد منظرًا مروعًا لأكوام النفايات وعددًا من الكراسي التالفة بعد هذه الزحف الجماهيري الكبير حتى يدرك أن هناك مشكلة في الوعي ويدرك أيضًا أن الأدوار التثقيفية لا تبذل بشكل أكبر فأكياس الأندية المستخدمة في التيفو الجماهيري الذي بات ظاهرة في مدرجاتنا تتطاير في أركان الملعب دون أي رسالة من الأندية تكون موجهه إلى بيئة ملاعب أكثر نظافة ليس هذا فقط بل يأتي عداء الألوان فمن الفواجع حقًا أن ترتدي لون فريق آخر غير الذي تشجعه لحظتها ستتأبط لك الجماهير الشر ويحدث مالا يحمد عقباه.
هذه هى المباراة التى لعبتها بالغترة والعقال، لم أسمع خلالها صافرة ولم أكترث بهدف يحرزه هذا أو ذاك بل كنت حريصًا على أن أسجل الهدف في شباك الحقيقة وأهدي الرأي العام حكاية ملاعب بها مباريات أكبر من 90 دقيقة.