طاولة العشاء الأخير الذي لم تحضره الجماهير الهلالية ولم تره

d8708fee71372c3c57f14e6fca6d3845_w570_h0

ربما لم يمر على نادي الهلال السعودي في تاريخه الجديد أن تعرض لما يتعرض له الآن من انقسام حاد على كل المستويات، بعد اجتماع عاصف لأعضاء شرف الهلال الذين سمّاهم بيان رسمي صدر عن النادي بالأعضاء “المؤثرين”. الانقسام ظهر في قضية المدرب الوطني سامي الجابر المقال حديثا، وكذلك في مستوى الدعم والتدخل في القرارات الإدارية من أعضاء الشرف، وأيضاً في كيفية التعامل مع الضغوطات التي يواجهها النادي من خارج أسواره بحسب مسيريه. ولكن هذه الأحداث، يراها خبراء هلاليون استنطقتهم “إيلاف”، ليست أكثر من أعراض فقط، لمرض كامن في جسد الهلال، سيظهر جلياً في مقبل الأيام.

هذه الأعراض هي التي ستدفع برئيس الهلال الأمير عبدالرحمن بن مساعد لترك منصبه سواء حقق البطولة الآسيوية أو لم يحققها بحسب معلومات مؤكدة وفقا لما ذكره موقع إيلاف الالكتروني التمديد قد يحدث فقط لأشهر لكي يتسنى له قيادة فريقه في بطولة أندية العالم المقبلة في حال تأهله لها. وتكتسب استقالة بن مساعد أهميتها من أنها ستعلن تدشين مرحلة جديدة، ليس في تاريخ الهلال فحسب، بل في تاريخ الرياضة السعودية، ذلك لأن المؤشرات والحوادث المتتابعة في السنوات الأخيرة تبشر بوضوح بأن طريقة العمل في الأندية السعودية لم تعد تتحمل “جبل الأعراف” بين الهواية والاحتراف، ولأن الرياضة السعودية تعاني مشاكل جمة تظهر بوضوح على قلعتها الكبرى وهو نادي الهلال.

لمحة تاريخية للهلال:

في تاريخ الكرة السعودية يمكن اعتبار الهلال “ترمومتر” الرياضة، فهو قائد التغييرات التي تحدث دائما، وهو المؤشر الأول لمستقبل الرياضة بكافة تفاصيلها تقريباً، فمنذ تأسيسه وهو يمثل الروح للجسد الكبير في المملكة، إذ إنه أول ناد تم تأسيسه دون أن يختص بمنطقة أو بلد أو فئة معينة، وهو أول الأندية تنوعاً في مكونات الشعب السعودي إدارةً ولاعبين، وهو قائد مرحلة التحديث من حيث التنظيم الهيكلي لإدارته المتنوعة أيضا، إلى أن قاد الأندية السعودية في التعرف إلى شكل البطولات الآسيوية، ومن ثم قادها أيضا للاستثمار بأول عقد رعاية يتحصل عليه ناد سعودي. هذه المقدمة التي قد يراها البعض منحازة، هي في حقيقتها تأريخ يمكن الاعتماد عليه في قراءة مستقبل النادي الكبير ومن ثم الكرة السعودية ككل.

زلزال الجابر وأعضاء الشرف وغضب الجماهير:

الهلال يعاني الآن توابع زلزال إقالة مدرب الفريق الوطني ونجم الهلال التاريخي سامي الجابر، والحدث الكبير لا يخص إقالة الجابر بحد ذاته، فهذا أمر يحدث في كل الأندية حول العالم، إنما يكمن في طريقة إدارة هذه “الأزمة” التي كشفت بوضوح أن النادي الأزرق لم يعد يحتمل آليات العمل القديمة، ومع انتهاء الوقت الذي سيرن بإعلان ابن مساعد إطلاق النار على نفسه على طريقة رصاصة الرحمة، ستتكشف الكثير من المشاكل التي أحاطت بالنادي العاصمي.

كان الاجتماع الشرفي الذي حضره بضعة أعضاء كلهم من الأسرة المالكة، قبل عشرة أيام، إيذاناً ببداية الفصل الأخير من الرواية الزرقاء وارتباطها في العقدين الأخيرين بتجار الأضواء وأصحاب الذوات والجاه والمال. هذا الاجتماع الذي عقد في منزل عضو الشرف ونائب الرئيس السابق الأمير نواف بن سعد، كشف ارتهان الإدارة لسطوة أعضاء الشرف بسبب عجزها عن تغطية الالتزامات المالية رغم توفر عقد رعاية يضخ نحو 60 مليوناً في خزينة النادي، وبالتالي رضخت للضغوط الشرفية التي ارتأت إبعاد الجابر، ورغم أن رئيس النادي صرّح مرارا بقناعته بما قدمه المدير الفني الوطني.

رئيس النادي الأمير عبدالرحمن بن مساعد اكتفى بالضخ المالي المكثف في بداية رئاسته للنادي، استقطب من خلالها أسماء قوية سواء في الجهاز الفني أو على مستوى اللاعبين، لكنه اتخذ سياسة تدوير المال بدءًا من مبلغ التعويض الذي حصل عليه بعد إبعاد المدرب الروماني كوزمين أولاريو من السلطات السعودية العليا، مروراً بقيمة الشرط الجزائي للمدرب البلجيكي إيريك غيريتس الذي دفعه الاتحاد المغربي، وليس انتهاءً بشرط التكفل بالمدرب الجديد مقابل الموافقة على إبعاد الجابر. وفي ظل موسمين تقريباً كان تساعده شخصية مختلفة، آخرهم الأمير أحمد بن سلطان الذي تكفل نهاية الموسم الماضي وهذا الموسم بعديد العقود للاعبين محليين وأجانب.

ورغم ذلك ظل رئيس النادي يدفع من ماله الخاص بمساعدة شقيقه الأمير عبدالله، وبعض مصادر التمويل المتنقلة والموقتة مثل ابن رجل الأعمال حسن الناقور وكذلك نائب الرئيس الحالي محمد الحميداني، ولكن هؤلاء تكمن مشكلتهم في عمرهم القصير رياضيا. وبالعودة للحديث عن اجتماع أعضاء الشرف، يلفت النظر أيضاً أن جزءًا مهما من الحضور الشرفي ليس معروفاً عنه الدعم للنادي، وإنما تعارف عليه الجميع أنه كذلك رغم توقفه من الضخ منذ أن أصبحت إدارة النادي فواتيرها بالملايين وليس بالآلاف كما هو الحال قبل عقدين أو أقل بقليل.

بل إن الأسباب غير المباشرة لابتعاد نائب الرئيس السابق الأمير نواف بن سعد كان في قلة دعمه المالي. وهنا يتساءل الكثيرون عن مصدر قوة هؤلاء الأعضاء الذين “يؤثرون” في القرار دون أثر على الخزينة، وهذا ما شكل لغزاً قد يفسره بعض الحملات الإعلامية بين الفينة والأخرى على الإدارة من بعض الصحف والكتاب المحسوبين على الهلال. ويفسره أيضاً (في حالة نادرة) فصل الفئات السنية عن القرار الإداري المباشر، إذ إنها تخضع لإدارة رئيس أعضاء الشرف الأمير بندر بن محمد. هذه الأزمات خلقت لأول مرة منذ عقدين حالة من السخط الجماهيري الأزرق، تجلى تماماً في مواقع التواصل الاجتماعي، يرى جلهم تقريباً أن المشكلة تكمن في إقالة الجابر، في حين يرى الخبراء أن السخط يأتي من أشياء أكبر يحتضنها العقل الجمعي للجماهير الأوسع على مستوى المملكة.

“فزاعة المال” و”ربيع الهلال” واختطاف الأندية:

يعبر عن ذلك الكاتب والمؤرخ الرياضي السعودي تركي الناصر السديري في حديث لـ”إيلاف” بمصطلح “فزاعة المال”، ورغم أن السديري يرى أن هذه مشكلة متأصلة في كل الأندية السعودية، إلا أنها تجلت في الهلال الآن. يقول السديري شارحاً مصطلح فزاعة المال: “إن الأندية التي تعتمد على جيوب فلان وعلان وتتعرض للانهيار إذا فقدتهم هذه لا تستحق أن تسمى أندية، الهلال كان أفقر الأندية وأعدمها ورغم ذلك حقق رسالته والبطولات حتى كوّن أكبر مدرج، وضم كل أطياف المجتمع”.

ويواصل السديري: “هؤلاء هم من زرع واستفاد من فكرة أن النادي لن تقوم له قائمة إلا بوجودهم فأصبحوا مثل حكام دول الربيع العربي الذين بمجرد سقوط الحكام انهارت مؤسسات الدولة، وصدقها مدرج توهّم واعتقد ذلك، ولذلك استمرت المشكلة”. ويؤكد السديري أن ما يبقي الهلال حياً أنه لا زال “يرضع من ضرع” هلال مؤسسه عبدالرحمن بن سعيد، ولذلك فإن الهلال يحتاج إلى مؤسس جديد وبن سعيد آخر، وما يعيق ذلك هي نفسها الفزاعة المالية. ويرى السديري أن المشهد الهلالي يعبر عن “مجموعة تختطف النادي”، ويضيف “عزلوه عن جماهيره الكبيرة، وهذه الجماهير لم تترك الهلال ولم تتخل عنه، وإنما بدافع العشق تتأنى في التخلص ممن يختطف ناديهم، وأخشى أن يحدث ذلك عندما يأتي ربيع هلالي”.

ويعود السديري بفكرته حول التأسيس الجديد بقوله إن العالم اليوم لا يسمح باختراع العجلة، فعلوم الرياضة ومعاييرها متوفرة ويجب الاستفادة منها وفق المعطيات الحديثة وطرق الإدارة الجديدة، ويقول حول ذلك: “الهلال مدرج يمتد على كل رقعة الوطن، في مدرجه كل الطاقات والكفاءات التي تستطيع قيادة النادي استثماريا وإدارياً، ولديه لاعبون قدامى يحملون أرقى وأعلى الشهادات، فالهيكلية الإدارية التي أُقرت في العام 2000 وأجهضت بعد ذلك يجب أن تعود، وبصورة أفضل، الهلال يستطيع أن يكون برشلونة هنا وفي القارة”.

“إيلاف” عرضت للمؤرخ السديري شكلين لمستقبل الإدارة الهلالية سيكون أحدهما هو الإطار العام لكرسي الإدارة الهلالية، الأول هو فراغ سيتيح الفرصة للجماهير الهلالية استعادة النادي وسط فراغ خططي ومؤسسي، والشكل الآخر هو أن يتسلم الرئاسة الوجه الهلالي الجديد الأمير أحمد بن سلطان الذي يدعم النادي كثيراً في الموسمين الماضي والجاري، إذ ضخ أكثر من 50 مليوناً حلت الكثير من المشكلات. وأجاب السديري بأن ذلك محزن في كلا الحالتين، قائلاً إن “هذه اللعبة يجب أن تنتهي، هذا السيناريو الممل والمتكرر يجب أن يرحل، أصبح الهلال من جيب إلى جيب، أصحاب الأفكار والبرامج العملية والمحددة، والمنتمين إلى ناديهم وأصحاب الرسالة الرياضية يجب أن يكونوا هم من يقود النادي، أنتهى عهد الأشخاص إلا إن أردنا أن نكون نصراً جديداً أو اتحاداً آخر”.

وتمنى السديري في خاتمة حديثه أن “تلتف الجماهير الهلالية حول ناديها وإدارته، ففي كل الأحوال فإنها أفضل الموجود، وهي تعمل وفق أدواتها المتاحة، ويستحق الهلال أن تقف جماهيره خلفه مهما كانت الظروف والمعطيات”.

هل ضاعف الجابر الضغوطات الخارجية على الهلال؟

وعلى الجانب الآخر يرى مصدر مهم وقريب من صناعة القرار الأزرق أن ما يحدث في الهلال هو امتداد طبيعي للأزمات التي تعيشها الكرة السعودية ككل، مؤكداً في الوقت ذاته في حديث مع “إيلاف”، أن “المرحلة القادمة إن لم يدخل فيها التخصيص وترك الأندية تدير استثماراتها بعيدة عن البيروقراطية الحكومية فإنها لن تجد من يقودها”.

ويؤكد هذا المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن تواجد الأمراء في الهلال بسبب أن لا أحد يستطيع تحمل عبء الضغط المالي المهول الذي تكلفه الأندية قياساً بمداخيلها، فالأندية مركز تكلفة وليست مركز جذب، وأن من يفكر في ذلك “مجنون”. مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الحديث عن قرب تنصيب الأمير أحمد بن سلطان “غير وارد لاعتبارات تخص أسرة الأمير الشاب أولاً وتخص أيضاً قناعاته الشخصية خصوصاً في المرحلة القريبة”. وختم المصدر حديثه بأنه “أزمة الجابر كان من المحتمل تفاديها لو أحسنت الإدارة الاختيار من البداية وفكرت في قرار تعيينه أصلاً، مضيفاً أن تعيين سامي ضاعف الضغوطات الخارجية على الفريق، فبعد أن كان المنافسون يعملون على الهلال لوحده، صار العمل مضاعفا بسبب سامي أيضاً، فالكثيرون يعتبرون أن أي نجاح لسامي هي هزيمة لهم”.

العشاء الأخير لم تحضره الجماهير ولم تره:

الآن يحاول الهلاليون رأب الصدع ويرصون الصفوف بعد أن أعلنت نتيجة قرعة البطولة الآسيوية، الهلال سيكون في مواجهة سد قطر بعد نحو شهرين، وسواء عبر الهلال السد أم غرق فيه، فإن “العشاء الأخير” لأعضاء الشرف فوق طاولة الهلال، سيكون حتماً هو الأخير من نوعه، ليس لأنه كان عشاءً انتهى بإقالة أحد أهم رموز الهلال، وليس لأنه لأول مرة يصير حكراً على طيف واحد، وإنما لأنه كان من حساب الجماهير الزرقاء التي لم تحضره، وفوق ذلك لم تره.

شاهد أيضاً:
سامي الجابر يتفوق على الريال ورئيس الهلال والوليد بـ 580 ألف تغريدة
مدرب الهلال الجديد سيصبح ثاني أغلى مدرب في العالم
برشلونة الخالي من الألقاب يحوّل كامب نو مطعماً خلال الصيف