مفقودون في سجون العراق.. هل تكشف الأيام القادمة مصير هؤلاء؟

1

بين الخلافات السياسية والحقوق الإنسانية تشابك وتقاطع، وبين ما ينتهجه الساسة وما تودي به الخلافات بين الدول، تبقى هناك قضايا إنسانية تستحق التوقف.
مفقودون في سجون العراق؛ ربما يكون العنوان الأشمل لقضايا إنسانية تنتظر كثير من العائلات في المملكة إنهاءها، فهناك أم فقدت أبنها، وهناك زوجة تنتظر زوجها، وهناك طفلة تنتظر والدها، وهكذا يظل مصير أكثر من 8 أشخاص تم الإعلان عنهم من قبل مكتب المحاماة المكلف بمتابعة قضايا المفقودين في سجون العراق، معلقاً؛ فهل تكشف الأيام القادمة مصير هؤلاء؟

2

المحامي ثامر البليهد

رغم توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين المملكة والعراق بين وزير الداخلية السعودي الأمير “محمد بن نايف” ووزير العدل العراقي “حسن الشمري”؛ إلا أن العراق لم يحرك ساكناً بهذا الخصوص، مازال العراق ينكر وجود عديد من السجناء السعوديين لديه بعد أن غيبتهم في سجونها السرية والذين تكشف أمر بعضهم فمنهم من اتضح أنه قتل ومنهم من تم التوصل إلى أماكن احتجازهم بطرق خاصة، والذين تم التوصل إليهم أصبحت العراق تقوم بتلفيق التهم لهم ومن بينهم من كانوا محكومين وأنهوا محكومياتهم وكانوا ينتظرون الترحيل إلى المملكة بموجب الاتفاقية، وتعيد التحقيق معهم وتنتزع الإعترافات التي تريد منهم انتزاعاً تحت التعذيب لتحكم عليهم بالإعدام فمنهم من بترت قدمه، ومنهم من فقد عقله، ومنهم من فقد الذاكرة.
إن غاية كل عائلة تنتظر مسجون لها “مفقود” وغير معلوم الجهة، هو انتظار سبب سجنه، ومعرفة مصيره؛ فلا هو محكوم عليه بالإعدام لسبب ما، أو محكوم بحكم معين، ولا هو مطلق السراح لينعم بلقاء أهله، مثله مثل أي مسجون في العالم حكم بجرمه ثم استحق الحرية.
“حامد سعود الحربي”؛ أصيبت والدته بمرض نفسي بسبب 10 سنوات من الغياب، ويقول ابن اخته خالد الحربي انقطعت أخبار خالي منذ عام 1425هـ، حينما كان عمره 24 عاماً كان أكبر أخوته الأشقاء والتاسع من بين 18 أخا وأختا غير أشقاء، ووالده متقاعد من إدارة المياه والكهرباء وكان لا يزال يدرس في الصف الثالث ثانوي حيث التحق بالدراسة متأخراً. وقبل خروجه كان ملتزما دينياً حريصاً على أداء الصلوات الخمس في المسجد وحريصا أن يصحبنا معه.
وذات يوم أخبرنا بعزمه على الذهاب إلى الطائف بهدف القيام برحلة سياحية وفوجئنا بعد ذلك عبر رسالة “جوال”؛ وردتنا منه بأنه يخبرنا بأنه الآن في العراق ويطلب منا السماح ومنذ ذلك الوقت انقطعت أخباره. وأصيبت والدته جراء غيابه بمرض نفسي أصبحت تراجع المستشفيات النفسية على إثره. ويضيف قريبه “حاولنا أن نتلقف أخباره وبحثنا عنه وأرسلنا صوره، ولكن مع الأسف لم نصل إلى أي معلومات حتى الآن”.
ويروي “إبراهيم صميد الزهراني”؛ قصة اختفاء قريبين له؛ أحدهما ابن عمه والآخر ابن خالته، في نفس الوقت غابا وانقطعت أخبارهما منذ عام 1426هـ وهما أحمد حسن صميد ذو الـ23 عاماً الذي كان ملتحقاً بمعهد الإدارة وعبدالرحمن حسن صميد الذي كان يدرس الرياضيات في الكلية، يقول؛ فوجئنا في يوم الخميس من شهر 5 عام 1426هـ بأنهما تركا بطاقاتيهما الشخصيتين في المجلس وأنهما غير موجودين وبحثنا عنهما كثيراً دون فائدة، وبالسؤال عنهما اتضح أنهما سافرا من جدة إلى عمان عبر الطيران دون علمنا بعد ذلك تلقينا اتصالاً منهما أخبرانا بأنهما في العراق، ومنذ ذلك الوقت ونحن لا نعلم عن مصيرهما شيئاً. ولانزال غير مصدقين لكننا متأملون بأنهما موجودان في أحد السجون العراقية ومغيبان مثلما وقع لكثير من السعوديين غيرهم.
ويضيف الزهراني؛ حاولنا التواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لكننا لم نصل إلى نتيجة، وناشد الجهات الحكومية والجهات العراقية واللجان الدولية كشف مصير ابني عمه. وإيصال أخبارههما لأهلهما وذويهما.
وذكر “محسن بن صالح الهمامي”؛ بأنه فقد شقيقه مبارك المولود عام 1401هـ وكان متزوجاً وليس لديه أبناء وانقطعت أخباره تماماٍ ولم يعودوا يعرفون عن مصيره شيئاً منذ خروجه عام 1425هـ، وقال؛ بقينا نبحث عنه طيلة 9 سنوات حتى عام 1434هـ حيث فوجئنا بصورة له وهو بزي السجن منشورة عبر الإنترنت وأنهم يطلبون من يعرف هذا الشخص حيث اتضح أنه فاقد للذاكرة بسبب ما تعرض له من تعذيب.
وتواصلنا مع مكتب الجريس للمحاماة المسؤول عن ملف السجناء السعوديين بالعراق، وأخبرونا بأن الصورة منشورة قبل عام ونصف ولم يتم التعرف عليه وهو فاقد للذاكرة وكان مسجونا بسجن الرصافة الرابعة مع سجناء جيش المهدي، ثم نقل إلى مكان مجهول ولا نعرف أين هو.
وأضاف؛ قبل شهرين تلقينا معلومات بأنه تم نقله إلى سجن الرصافات الثامنة “العدالة الأولى”؛ مع جيش المهدي وأن اسمه هناك هاشم أو هشام، هذا كل ما توصلنا إليه من معلومات، وكل ما نريده هو تأكيدها من قبل جهة رسمية ليتسنى لنا معرفة مصير قريبنا.
وربما مصير “فهد الحيزان” أفضل حالاً من سابقيه، لأن أهله تلقوا مكالمة تفيد بوجوده في مكان ما، ورغم أنهم لم يتأكدوا من وجوده، ولم يتمكنوا من إجراء مكالمة مباشرة معه، إلا أنها جاءت كأهون الضررين.. ويقول نايف الحيزان؛ إن شقيقه فهد خرج من المملكة إلى العراق بعد حصوله على “الثانوية العامة” وقبوله في كلية الجوف، بعدها انقطعت أخباره طيلة 4 سنوات كاملة، وطيلة هذه الفترة وبعد رحلة مع البحث والعناء دون معرفة ماهو مصيره وأين مكانه ما أثر على صحة والديه الطاعنين في السن.
وبعد هذه المدة تلقت أسرته مكالمة هاتفية من قبل أحد أفراد اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تتضمن هذه المكالمة سوى “ابنكم فهد في سجن المثنى بالمطار” بعد أن تمكن فهد من تزويده برقم منزله وإقناعه بالاتصال بعائلته بعد هذه السنين.
أما “جار الله السلمي”؛ فيروي شقيقه عبدالله ما جرى له في عام 2006 قائلاً؛ “ذهب أخي جار الله بعد أن أنهى دراسة المرحلة الثانوية العامة إلى العراق كسائر الشباب الذين هبوا لنصرة أشقائهم العراقيين، في ذلك الوقت دفعهم حماسهم وفتاوى بعض المشايخ، بعد أن أخبرنا بأنه سيقوم بالسفر إلى مكة لأداء العمرة فخرج وانقطعت أخباره عنا وبقينا لا نعلم إن كان حياً أو ميتاً ولم نترك مكانا إلا وسألنا عنه ولكن لم نعثر له على أثر.
وفي أحد الأيام توجهت للجوازات واستفسرت عنه عن طريق جهاز الحاسب الآلي واتضح بأنه خرج من المملكة إلى الأردن. وعام بعد عام بدأ اليأس يتسلل إلى نفوسنا من عودته ففوضنا أمرنا لله، وبقينا 7 أعوام لا نعلم عن مصيره شيئاً وفي يوم من الأيام وعند الساعة 9 صباحاً تلقت الوالدة اتصالا هاتفيا عبر هاتف المنزل من شخص لم تعرفه والدتي في البداية حيث كان يتحدث باللهجة العراقية اتضح أنه أخي جار الله فلم تتمالك والدتي نفسها وسقطت مغشياً عليها.
وبعد مراجعات عديدة اعترفت السفارة العراقية بوجوده، بعد أن كانت تنكر وجوده على أراضيها، وتم ضم اسمه في كشوفات المعتقلين السعوديين في العراق، وكانت التهمة تجاوز حدود، وفي شهر شعبان تم توقيع اتفاقية التبادل بين معتقلي الدولتين فتم إصدار جواز له لتمكينه من العودة إلى المملكة من ضمن سجناء آخرين. ونفاجأ بعد ذلك بأن المحكمة العراقية تصدر عليه حكماً بالإعدام، رغم صدور تقرير طبي يفيد تعرضه للتعذيب الجسدي وانتزاع الاعتراف منه.
فيما كشف السجين السعودي لدى العراق “سابقاً”؛ “أحمد الغنام”، عن سياسة “النفي” و”لتصفية” التي تنتهجها العراق ضد السجناء السعوديين وهو ترحيل السجين واعتقاله في أماكن مجهولة لا يعرفها الجميع وكنا نمضى الأشهر لا نعرف أين نحن وعند نقلنا كنا معصوبي الأعين ونقيد بالسلاسل بطريقة قاسية جداً مكتوفي الأيدي والأقدام والخاصرة بحيث يصعب حتى تحركنا. وكان هو أحد ضحاياها حيث بقي أكثر من عام دون تحقيق في عزلة لا يعرف أين مكانه، وانقطعت أخباره عن أسرته ولم يكن أحد يعلم أن كان حياً أو ميتاً أو إن كان فوق الأرض أو تحتها لمدة عام.
كما كانت هناك عمليات تصفية للسجناء السعوديين بعد إخراجهم بحجة تسفيرهم أو نقلهم إلى سجن آخر وهذا الأسلوب المتبع لديهم غالباً، ويعتبر من أبسط المسائل لديهم.
وذكر الغنام؛ أنه كان من بيننا سجين سعودي يدعى أبو عبدالله أخرجوه على أنه سيتم ترحيله إلى سجن آخر، وعلمنا لاحقاً بأنه تم تصفيته بحجة وقوع اشتباك مع مسلحين أثناء عملية نقله.
من جهته كشف رئيس ملف المعتقلين السعوديين بمجموعة الجريس للمحاماة المحامي “ثامر البليهد”؛ بأنهم توصلوا لمعرفة مكان السجين زيد بن ملوح الشمري، وأنه يعاني من حالة فقدان للعقل، ويعاني من فقدان للذاكرة جراء التعذيب الذي تعرض له في السجون العراقية، وقال البليهد؛ “تعرض الشمري لإصابة بالغة في الرأس بسبب الضرب الذي لا تزال آثاره ظاهرة”، مبيناً؛ أنه تم اعتقاله في عام 2008م، وبقي مدة طويلة في سجن لواء بغداد رقم 56 سيئ السمعة ثم نقل إلى سجن الناصرية ثم سجن كروبر بالقرب من مطار بغداد، والآن في سجن الرصافات الرابعة، وكشف عن تلقيهم عشرات الاستفسارات عن مفقودين سعوديين داخل العراق. وأنهم قاموا بالتواصل والبحث عنهم بطرق خاصة وتوصلوا إلى وجود 8 أشخاص من المفقودين الذين تأكدوا من قتلهم وتصفيتهم على يد بعض المليشيات العراقية، ومنهم من قتل تحت التعذيب من بينهم علي العوفي، ومن يتم التأكد من موته نقوم بإبلاغ أهله عن مصيره.
وعن بعض الطرق التي لجأوا إليها في سبيل البحث ومعرفة مصير بعض المفقودين ذكر البليهد بأنهم يقومون بإرسال أحدث صورة للسجين إلى بعض الأشخاص في العراق أو بسؤال بعض السجناء العراقيين إن كانوا شاهدوه ويعرفون مصيره.
وأضاف؛ استطعنا مقابلة الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية العراقي عدنان الأسدي أثناء زيارته للمملكة وتقديم طلب بكشف مصير عدد من السجناء السعوديين في العراق بعد أن كانت تنكر وجودهم واستطعنا تحديد أماكن اعتقالهم وبعد شهر من عودته إلى العراق تلقينا خطاباً رسمياً اعترفت فيه العراق بوجودهم والسجناء كانوا جار الله الجار الله وماجد البقمي وفهد الحيزان ومحمد الجوهري.
وأكد؛ بأنه لا يزال هناك كثير من المفقودين الذين لا يعرف مصيرهم حتى الآن، وكثير منهم يظهر بأنه غير سعودي كي لا يتعرض للتعذيب بسبب “جنسيته” ولا يتصل بأهله كي لا ينكشف أمره.
من جهة أخرى أكد الناشط الحقوقي العراقي “عبدالمنعم الملا”؛ على تلقيهم لعدد من البلاغات من بعض أهالي المفقودين داخل العراق حول انتهاج الحكومة العراقية لسياسة النفي والتغييب ضد بعض السجناء السعوديين ووضع البعض منهم في توابيت لأشهر طويلة، وأن ملف السجناء السعوديين في العراق لا علاقة له بحقوق الإنسان على الإطلاق.
ولاأدل على ذلك أكثر مما يتعرض له السجناء من تعذيب ونقلهم إلى سجون معينة جنوب العراق ليوغلوا بضربهم وتعذيبهم، وتلفيق القضايا ضدهم ومنها ما وقع قبل دخول السجناء إلى العراق بسنوات.
مؤكداً على رصد قضايا وقعت في عام 2004م ألصقت بسعوديين دخلوا العراق عام 2008م.
واتهم الحكومة العراقية بالكذب والتلكؤ في إنهاء الملف ولا أدل من تصريح الأسدي أثناء زيارته للمملكة بإخراج السجناء في الوقت ذاته وفي اليوم نفسه يصوت البرلمان على إعدام 2 من السعوديين. وأن هناك من القضاة العراقيين من أبلغه بأنه لا يهمنا تسمية القضية المنسوبة للسجناء السعوديين بقدر ما يهمنا بقاؤهم في السجن أو خروجهم إلى المشانق.
وهناك بعض المحامين تم توكيلهم للترافع عن السجناء السعوديين وترفض المحكمة ذلك ولا يسمح لهم حتى بمقابلة موكليهم. مؤكداً انتهاج الحكومة العراقية لسياسة تغييب السجناء.

3

المصدر: صحيفة الشرق

شاهد أيضًا:
لوحة مستنسخة من ستار الكعبة بـ 4 ملايين ريال
الإسكان تنشر مسودة لائحة الدعم السكني لأخذ رأي المواطنين
شاب سعودي وآسيويان وامرأة.. حولوا فندقاً في خميس مشيط إلى وكر دعارة