قال الكاتب بدر بن سعود : “اقتحام الكونغرس الأميركي لا يختلف عما حدث في العواصم العربية أيام الربيع العربي، فقد قام المتظاهرون بالهجوم على مؤسسات الدولة وبطريقة مشابهة لما تم في واشنطن، وقد كان باراك أوباما مباركا لهذا السلوك، ولم يقل إن في المطالبة بإسقاط النظام تحريضاً على العنف، ويظهر أن المؤسسة السياسية في أميركا لم تستوعب الدرس إلا بعد وصوله إليها.”

وأضاف خلال مقال له منشور في صحيفة “الرياض” بعنوان “اغتيال المنصة لصاحبها” بايدن سيدخل البيت الأبيض بعد ستة أيام، وما سيقوم به ترمب ليس جديداً، فقد تغيب قبله ثلاثة رؤساء عن حضور مراسم تنصيب من جاء بعدهم، وهذا بطبيعة الحال لم يؤثر في التقاليد الأميركية لانتقال السلطة، والتي بدأت لأول مرة في أواخر القرن الثامن عشر، ولكن اللافت هو قيام منصات التواصل بأدوار تحريرية غير مسبوقة، ولا تمارس إلا في الإعلام التقليدي، رغم أن القانون الأميركي يعفيها من تحمل مسؤولية ما ينشر على مواقعها، وقرار إيقاف معرفات ترمب بشكل مؤقت أو دائم، والذي اتخذته تويتر وفيسبوك وانستغرام وسناب شات غير ديموقراطي، ويخالف معايير حرية التعبير، ولا يمكن لغير القضاء القيام بهذا العمل في الديموقراطيات الغربية.
وتابع: إغلاق حسابات ترمب في منصات التواصل لم يكن محل ترحيب في الأوساط الغربية، فقد عبرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن استيائها من التصرف، وقــــالت إن تقييـــد حريـــــة التعبير يقرره المشرعون وليس أصحاب الشركات الخاصة، ومعظم الصحافة في فرنسا ناقشت رقابة الشبكات الاجتماعية لشخصيات منتخبة، واعتبرت إغلاق ملاكها لحسابات مستخدميها عمل غير أخلاقي وينطوي على ديكتاتورية.
وأردف: تويتر كانت تكتفي بوضع إشارات تحذيرية على منشورات ترمب المخالفة، وخصوصا في موضوعي كورونا والانتخابات الرئاسية، وتترك المحتوى مفتوحاً لأنها لا تتحمل مسؤوليته، وعملية التسليع وازدواجية المعايير التي تمارسها الشبكات الاجتماعية، وخصوصاً في جوانب حرية التعبير والخصوصية، تؤكده شواهد كثيرة، ومن أمثلتها، أن المستخدم لا يملك بياناته على منصات التواصل الاجتماعي، وليس في الاطلاع عليها انتهاك للخصوصية، وأن نشر التلفيقات والأكاذيب عن دول الخليج، ومحاولة إحباط المجتمعات العربية بفبركة حكايات متخيلة، لا يعتبر تحريضاً مكتمل الأركان.
واختتم مقاله قائلا: ترمب أدخل الحوار المباشر إلى عالم السياسة الأميركية، وكانت تويتر وسيلته في ذلك، وطريقته تعرف في الأدبيات السياسية بسيـاسات ما بعــد الحقيقة، وهو نقاش سياسي يعتمد على الانفعالات الشخصية، ويركز على العاطفة والغريزة والمعتقدات الخاصة، ولا يهتم بالحقائق أو بتفاصيل المواقف، ويختلف ترمب عن أوباما في أنه كتب غالبية نصوصه التويترية، بينما لم يكتب أوباما إلا ما نسبته 10 %، وفي الأزمات يحتاج الناس إلى التطمينات وإن لم تكن صادقة، وترمب نجح في ذلك وتفوق على خصومة، واستطاع إثارة الجدل وتوسيع قاعدته الجماهيرية باستخدام منصة تويتر، ولولا تويتر لما كان ترمب الرئيس الخامس والأربعين لأميركا، وإغلاق حسابه يأتي بمثابة اغتيال مجازي لكل تاريخه.