قصة”بيانكا” و”الخليفي” والرجل الثاني لـ”فيفا”.. هل مجرد مصادفة؟

كشفت صحيفة فرنسية عن أدلة جديدة، تدين القطري ناصر الخليفي في قضية فساد تنظيم كأس العالم 2022 في الدوحة، وتورطه في رشوة جيروم فالكه، الأمين العام السابق للفيفا، بفيلا فاخرة في إحدى المناطق الساحلية الراقية في إيطاليا مقابل إزالة العقبات التي تصعِّب من إقامة المونديال على الأراضي القطرية. وتكشف الوثائق التي حللتها صحيفة “ميديا بارت” الفرنسية بالتسلسل الزمني عن كواليس هذه القضية المحرجة للغاية بالنسبة إلى ناصر الخليفي، الذي وصفته الصحيفة بالوزير بدون حقيبة، وبالرجل الذي ينفِّذ ما تريده قطر على صعيد الرياضة. موجهة سؤالاً مهمًّا: هل تسلسل الأحداث مجرد مصادفة؟

أحلام البذخ والرفاهية

وتدين الوثائق “الخليفي” وصديقه “فالكه”، الذي كان يتوق لعيش حياة البذخ؛ فلجأ لصديقه القطري؛ ليحقق له أحلامه مقابل تسهيلات تتعلق بالمونديال. وتبدأ القصة في صيف 2013؛ فقد كان يحلم جيروم فالكه بإرساء يخته الفاره في بورتو سيرفو، وهو اليخت الذي اشتراه بـ2.8 مليون دولار عن طريق شركة خارجية سرية، أنشأها تحت اسم “Umbelina” في جزر فيرجن البريطانية. أما بورتو سيرفو فهي قرية غنية للغاية، تقع شمال شرق سردينيا في إيطاليا، وتجذب نخبة أثرياء العالم. وتقع فيلا سيليفيو بيرلوسكوني في الجوار. وكان فالكه يتمنى شراء “فيلا بيانكا” التي يملكها “ليلي مورا”، رجل الأعمال الذي ينظم السهرات الشهيرة (bunga bunga) لرئيس الوزراء الإيطالي السابق. وتقع الفيلا داخل منطقة فخمة مسورة. إنه منزل الأحلام، بمساحة 438 مترًا مربعًا، ويتضمن 13 غرفة، وحمام سباحة. وفي الثالث عشر من أغسطس 2013م وقَّع جيروم فالكه عرض شراء الفيلا بـ 5 ملايين يورو، وتم قبوله في بداية شهر سبتمبر، وكتب في ذلك المساء لأحد المقربين منه: “تم تأكيد شراء المنزل الليلة، أنا أملك عقارًا في بورتو سيرفو!”.

وفي الثاني من أكتوبر كتب فالكه لمؤسسة مالية بأنه: “ينهي عملية تملك المنزل بدون ائتمان بسبب التدفق النقدي الاستثنائي الذي يغطي تكلفة التملك، وهي 5 ملايين يورو”. وتمت صياغة وثيقة البيع بتاريخ 8 نوفمبر، وهو اليوم المقرر للتوقيع. وقامت أورنيلا زوجة جيروم فالكه (طُلِّقا منذ ذلك الحين) بالتوقيع كمشترية؛ لأنها تحمل الجنسية الإيطالية، وفقًا لمحاميها. وفي الثلاثين من أكتوبر، أي قبل أسبوع من التوقيع، كتب فالكه وثيقة موجهة إلى ناصر الخليفي، وهي عبارة عن تعليمات من أجل شراء الفيلا “التي يبدوا أنه قد سلمها” إلى رئيس نادي باريس سان جيرمان وقنوات BeIN Sports، كما دوَّن ذلك الادعاء الفيدرالي السويسري في مذكرة موجزة. وكتب فالكه: “عليك توقيع […] التوكيل الخاص لمنح المحامي تفويضًا من أجل توقيع وثيقة البيع نيابة عنك […]. لست بحاجة إلى توقيعه، اطلع عليه فقط. كل شيء على ما يرام”. وأضاف: “يجب إجراء حوالة بمبلغ 5.070.000 يورو في مطلع الأسبوع القادم إلى حساب كاتب العدل […]، ويجب أيضًا إجراء حوالة بمبلغ 200.000 يورو إلى حساب […] لتغطية الرسوم الإدارية للوكالة”.

طريقة أكثر سرية

ولكن في اللحظة الأخيرة تم إلغاء البيع لزوجة جيروم فالكه، وتم استبداله بأسلوب أكثر سرية، وأقل خطورة بلا أدنى شك، بحسب تعبير الصحيفة.

تطورات جديدة أُجريت على عملية بيع الفيلا حتى تتم بطريقة أكثر سرية. وفي الحادي والثلاثين من ديسمبر 2013م اشترى ناصر الخليفي “فيلا بيانكا” من خلال “GoldenHomes real Estate”، وهي شركة قطرية، يملكها الخليفي، وأقرضها 5 ملايين يورو. بعد ذلك قام رئيس باريس سان جيرمان بنقل أسهم الشركة إلى صديق يعرفه منذ 15 عامًا، الذي بدوره سدد القرض، وقام بتأجير الفيلا لفالكه.

تهديدان لمونديال الدوحة

في هذه الأثناء، في صيف 2013 أيضًا، كانت الإمارة الخليجية تواجه تهديدًا كبيرًا، يتعلق بإمكانية سحب تنظيم المونديال؛ فقد كانت قطر أمام تهديدين، من شأنهما أن يثيرا الشكوك حول كأس العالم 2022 التي ستنظمها. وكان الأمريكي مايكل غارسيا، كبير محققي لجنة الأخلاقيات في الفيفا، يجري تحقيقًا موسعًا في الفساد المزعوم في إسناد تنظيم البطولة لقطر، ولم يكن الاتحاد آنذاك قد قرر بعد ما إذا كان سيتم تأجيل الحدث إلى فصل الشتاء أم لا. ولكن زيارة من الرجل الثاني في “فيفا” جيروم فالكه للدوحة لمقابلة أمير قطر، وذلك بعد أيام قليلة من توقيعه عقد شراء فيلا بيانكا بمباركة الخليفي، قلبت الأمور لصالح الإمارة؛ إذ وعده الأمير بتعويض الفيفا عن طريق الشركاء التجاريين عن أي خسائر محتملة بسبب إقامة المونديال في الشتاء.

عقود beIN المثيرة للجدل

بعد شهر ونصف الشهر من ذلك قام الفيفا في نوفمبر 2013 بصياغة عقد لبيع حقوق البث التلفزيوني في الشرق الأوسط لمونديالَي 2026 و2030 لـ BeIN Sportsمقابل 480 مليون دولار، بزيادة 180 مليونًا (نحو 60 %) على العقد السابق، وذلك في سابقة خطيرة لـ”فيفا”؛ إذ لم يكن قد حُدد بعد أين ستقام البطولتان!

وبحسب الصحيفة الفرنسية، فهناك العديد من الأشياء الغريبة في هذا العقد؛ إذ لم يطرح الفيفا أي مناقصة، كما أنه -وبحسب مصدرين مقربين من الفيفا- من غير المعتاد جدًّا توقيع مثل هذه العقود مقدمًا قبل أكثر من عشر سنوات، كما أن حقوق البث التلفزيوني بشكل عام تكون ذات قيمة أفضل عندما يتم مفاوضتها في تاريخ أقرب إلى الحدث.

مصادفة غير بريئة!

وللمصادفة غير البريئة اتخذ الاتحاد الدولي بعد ذلك قرارَين إيجابيَّين لصالح قطر. ففي سبتمبر 2014 رفض الفيفا نشر تقرير حول الفساد المزعوم في مونديال 2022، كتبه مايكل غارسيا الذي استقال من منصبه في ديسمبر. في أعقاب ذلك قال جوزيف بلاتر رئيس الفيفا إنه لا يوجد أي سبب للتشكيك في التصويت الذي عيَّن قطر.

وفي الرابع والعشرين من فبراير 2015 أوصت لجنة خاصة بعقد كأس العالم 2022 في فصل الشتاء، وهو قرار تم التصديق عليه بعد سبعة أشهر. ويبدو أن قطر قد استمرت في تدليل رجلها في “فيفا”؛ فقد تلقى في فبراير 2015 خلال إحدى الرحلات إلى الدوحة ساعة كارتييه (Cartier) بقيمة 40.000 يورو. وفي سبتمبر 2015 تم إيقاف جيروم فالكه من قِبل الفيفا. ووفقًا لما تنقله الصحيفة الفرنسية “ميديابارت”، فقد توقف عن استئجار الفيلا في العام نفسه، التي تخضع الآن للحجز القضائي.

اترك رد