ما حكاية الطفلة التي ولدت بعد سبع سنوات من وفاة والدها؟

كانت ليات مالكا تتوق إلى إنجاب طفل، لكنها لم تقابل الشخص المناسب الذي حلمت بتكوين أسرة معه، ففكرت بطريقة غير مألوفة وهي “تحقيق أمنية رجل ميت بأن يصبح أباً لطفل”.

في عام 2013، كانت ليات مالكا قد بلغت من العمر 35 عاماً، وشعرت برغبة شديدة بأن تصبح أماً قبل فوات الأوان.
تقول ليات: “كنت قلقة مع تقدم العمر، وربما تفوتني فرصة الأمومة، لذلك ذهبت إلى الطبيب وأجريت بعض اختبارات الخصوبة”.
وكانت النتيجة، انخفاض عدد البويضات ونصحها الطبيب باتخاذ الإجراء المناسب قبل أن يفوتها القطار، وتفقد حلمها في أن تصبح أماً.
وتابعت ليات: “لذلك قررت على الفور إيجاد أي وسيلة تساعدني على الإنجاب في أسرع وقت ممكن”. وبحثت في الانترنت لاستكشاف الخيارات المتاحة.
وتقول: “أردت فعلاً أن يعرف طفلي والده، وهذا غير ممكن عبر متبرع للحيوانات المنوية، كما أن إيجاد الشخص المناسب عملية معقدة للغاية”.
وعثرت في موقع يوتيوب، على مقابلة تلفزيونية تعود لعام 2009، لزوجين يدعيان فلاد وجوليا كانا يحاولان الحصول على إذن قانوني لإنجاب طفل باستخدام الحيوانات المنوية التي جمّدها ابنهما المتوفى في عام 2008، ووجدا امرأة تقبل باستخدام تلك الحيوانات المجمدة وتلد حفيدهما.
تساءلت ليات ما إذا كان نفس الترتيب قد يكون مناسباً لها، وبهذه الطريقة “يمكن للطفل في المستقبل أن يعرف الكثير عن والده وأصوله وأجداده”.
قررت الاتصال بمحامي الزوجين لطلب المزيد من التفاصيل، وعلمت منه أنه على الرغم من مرور أربع سنوات على تسجيل تلك المقابلة ، لا يزالان يبحثان عن امرأة من أجل تلك المهمة، وليس لديهما حفيد بعد، ولا حتى امرأة.
تم ترتيب لقاء بين ليات والزوجين اللذين احضرا ألبوماً كاملاً لصور ابنهما المتوفى باروخ.
بعد أكثر من عقد على وفاته، ما زالت والدته تتجنب الحديث عن وفاته وتقول: “كان إنساناً رائعاً لكن الحديث عن وفاته مؤلم للغاية”.
وكان باروخ في سن الـ 23، يدرس علم البيئة في جامعة “تخنيون” في حيفا، عندما اكتشف نزيفاً مستمراً في فمه، تبين لاحقاً أنه مصاب بمرض السرطان.
ولأن العلاج الكيميائي قد يبطئ أو يوقف إنتاج الحيوانات المنوية تماماً، قام باروخ بتجميد بعض حيواناته قبل البدء في العلاج.
وفقد شعره واضطر الأطباء إلى استئصال جزء من لسانه، مما جعله غير قادر على الكلام، ولكن ليس قبل أن يقول أمنيته الوحيدة.
وتقول جوليا، والدة باروخ: “كل ما أراده منا هو أن نجد امرأة مناسبة لاستخدام حيواناته وإنجاب طفل”. “كان يمتلك إرادة قوية منقطعة النظير، ورغبة بالحياة بعد وفاته”.
مات عام 2008، في سن الـ 25 عازباً دون أطفال بعد علاج دام عامين.
وبعد ذلك بعام، عمل الزوجان كل ما بوسعهما لتحقيق رغبة ابنهما المتوفى، وهي إيجاد امرأة لتكون والدة الطفل والحصول على إذن من المحكمة في إسرائيل للحصول على تلك الحيوانات المنوية المجمدة.
كان فلاد وجوليا قد عثرا على امرأة إسرائيلية من أصل روسي، اعتقدا أنها يمكن أن تكون أماً لحفيدهما. ولكن بعد أن كسبوا دعوى الحصول على الحيوانات المنوية عبر المحكمة، التقت المرأة بشريك جديد وانسحبت من الاتفاق.
تقول جوليا: “لقد أتت إلينا شابة أخرى لطيفة للغاية”. لكن بعد سبع جولات من التلقيح الصناعي، فشلت في الحمل تاركة لنا عدداً قليلاً من الحيوانات المنوية.
لكن جوليا لم تستسلم، وكانت مصرة على الاستمرار في إيجاد امرأة مناسبة طالما ما زال هناك بعض الحيوانات متبقية.
وتقول: “فقدت الرغبة في الحياة سابقاً، لكنني قررت لاحقاً أنه إذا كان علي العيش، فلا بد أن أعيد بعض السعادة والحب لحياتي”.
“أردت أن يستمر نسل ابني في مكان عميق من قلبي، أردت إعادته جسدياً، كنت أتخيل أن الطفل الذي سيأتي سيكون ذكراً، وسيكون تماما مثل باروخ، وبهذا يكون عاد للحياة ثانية”.
كانت جوليا تتوق لرؤية رضيع في أحضانها، رغم أنها لم تكن متأكدة من الوقت الذي قد يستغرقه الأمر. كانت وقتها في سن الـ 55، عندما بدأت مع فلاد محاولة إنجاب طفل باستخدام متبرعة بالبيوض، وعندما وُلد ابنهما، “دبّت فيهما الروح من جديد”.
تتذكر جوليا بوضوح اليوم الذي قابلت فيه هي وزوجها ليات أوائل عام 2013.
تقول جوليا: “كانت شابة جميلة، بشعر أسود، وترتدي معطفاً أحمر، أحببتها فوراً، وجدتها امرأة جيدة”. وعرضت جوليا ألبوم الصور على ليات التي قالت إنها شعرت بعلاقة فورية به.
تقول ليات: “بمجرد النظر في الصور، عرفت أنه كان وسيماً بعيون زرقاء جميلة وابتسامة كبيرة”.
بدا لها من خلال الصور، مدى قوة علاقته بوالديه، ففي كل صورة، يكون ممسكاُ بيدي والديه ويعانقهما”، “رأيت الحب والسعادة في عينيه”.
وبعد أن تحدثت جوليا عن ابنها لليات، عن حبه للحياة وذكائه وروحه المرحة وكيف كان يحب الطبخ وقضاء الوقت مع أصدقائه، “قررت ليات أن يكون باروخ المتوفى قبل خمس سنوات، الرجل الذي لم تقابله قط، أن يصبح والد طفلها”.
وقّعت كل من جوليا وليات وفلاد أوراقاً حصلت بموجبها ليات حق استخدام الحيوانات المنوية دون أي شخص آخر، كما جرى الاتفاق على ترتيبات لرؤية جوليا وفلاد لحفيدهما في المستقبل.
ولم يكن هناك أي جانب مالي في الاتفاق.
وتقول جوليا: “لم يكن ذلك فقط لتحقيق رغبة باروخ، بل أيضاً من أجل أن يكون لنا حفيداً جيداً ومحبوباً”.
فشلت ليات في محاولة التخصيب الأولى، ونجحت في الثانية بعد فترة من التوتر والانتظار في كلا المرحلتين.
وفي الجولة الثانية من عملية التلقيح، تلقت أخباراً مفرحة من المستشفى، فقد “تطورت البيضة الملقحة إلى جنين”.
تم نقل البويضة المخصبة إلى رحم ليات بعد أن عاشت أسبوعاً من الانتظار الطويل لإجراء اختبار الحمل، وعندما تلقت الاتصال من المستشفى من أجل سماع النتيجة، “كانوا جميعاً يصرخون فرحاً لإخبار ليات بأنها حامل” حسبما قالت ليات.
لم تنتظر طويلاً، وأعلمت أختها وجوليا بالخبر السار، وبعد عدة أيام، بدأت ليات تفكر في تفاصيل دقيقة حول المستقبل.
وتقول: “كنت في حالة صدمة، لم أكن أتخيل أنني سأصبح حاملاً، لا أستطيع أن أصدق ذلك. لم أكن أعرف فلاد وجوليا معرفة جيدة، فقد اجتمعنا مرتين أو ثلاثة فقط.”.
كانت ليات قلقة حول مدى انسجام أسرتها مع عائلة باروخ، فوالديها من أصول مغربية، أما جوليا وفلاد، فقد جاؤوا إلى إسرائيل من روسيا، وتقول إن العائلتين مختلفتان ثقافياً تماماً.
ومما زاد من قلقها، أن ليات لم تخبر أسرتها عن نيتها في الحمل، ولا عن المتبرع المتوفى أو لقاءها بجوليا وفلاد.
وتقول: “لم أكن أرغب في تحمل عبء آراء متضاربة، لذلك أبقيت الأمر سراً، ولكن عندما اتصلت بها لأبشرها بخبر حملي، فرحت كثيراً، على الأقل ستصبح ابنتها أماً”.
كانت ليات متوترة كلما تقدم حملها، ولم تكن متأكدة من شكل العلاقة مع فلاد وجوليا بعد إنجابها، كثيرا ما كانت تحلم بشكل الطفل الذي ستلده.
كانت جوليا أيضاً قلقة، أرادت أن تكون مقربة من ليات، لكن كان عليها احترام رغبة ليات والحفاظ على المسافة بينهما ريثما تلد طفلها.
عندما دخلت ليات مرحلة المخاض، لم تشعر بالراحة لاستدعاء جوليا، كما أن الطبيب أخبرها أنه ليس من المرجح ولادتها قبل الصباح.
“ولكن الأمور جرت بسرعة، فقد وصلت ليات إلى المستشفى في اللحظة الأخيرة، “كنت سعيدة جداً لأن أمي كانت معي، كانت في حالة دهشة كبيرة من كل ما يجري، لم تستطع التحدث معي”.
وكانت شقيقة ليات تحضر ولادتها عبر خدمة السكايب من الولايات المتحدة، “كانت بالفعل تجربة رائعة”.
أبصرت الطفلة شيرا النور في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2015، بعد أكثر من سبع سنوات من وفاة والدها.
تقول ليات: “لقد كانت تماماً كما كنت أحلم بها، كانت جميلة للغاية، لم أستطع أن أصدق عيناي”.
واتصلت ليات بجوليا وفلاد، الجدين، لإخبارهما بولادتها.
تقول جوليا: “شعرت وقتها أن قلبي بدأ ينبض مرة أخرى لأول مرة منذ فترة طويلة من فاجعتي بابني”.
تحتفظ ليات بصور باروخ التي أحضرتها لها جوليا في أول لقاء لهما، وغالباً ما تعيد رؤيتهما وتريها لابنتها شيرا وتتحدث عنه، في منزلها بعسقلان.
وتقول ليات إن عيني ابنتها شيرا، تماماً كعيني والدها، لكنها تشعر أحيانا بالقلق على ابنتها بسبب عدم وجود أب لها.
تقول ليات إن ابنتها شيرا التي تبلغ من العمر الآن ثلاثة أعوام، قالت في أحد الأيام إن والدها قد يأتي في أحد الأيام ويطرق عليهما الباب، لكنني أجبتها، لا لن يأتي لرؤيتنا أبداً”.
تعرف شيرا أن ليس لها أباً، لكنها طفلة سعيدة ومحبوبة للغاية.
وتقول جوليا: “إنها جميلة وذكية وسعيدة ، إنها كل ما تحلم به من طفل، إنها مثالية بالفعل”.
وتشعر جوليا أن ابنها الراحل سيحب ابنته، وهي سعيدة لأنها حققت وصيته في أن يكون أباً.

اترك رد