صحيفة بريطانية: “أرامكو” تقود خطة السعودية للتربع على عرش البتروكيماويات في العالم

“عملاق يستحوذ على عملاق”، هكذا وصف المحللون وخبراء أسواق النفط صفقة شراء “أرامكو” السعودية، أكبر شركة منتجة للنفط في العالم، على 70% من الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)، أكبر شركة بتروكيماويات في الشرق الأوسط والرابعة عالمياً، والتي تعزز الفرص الاستثمارية والتسويقية لدى العملاقين السعوديين، وتفتح أسواقًا جديدة، وتترك أصداءً إيجابية على الاقتصاد السعودي ككل، وليس أطراف الصفقة فقط، حسب تقرير لصحيفة “الإندبندنت” البريطانية. ووقعت “أرامكو” الأربعاء الماضي اتفاقية شراء حصة أغلبية 70% في “سابك” من صندوق الاستثمارات العامة (صندوق الثروة السيادي السعودي)، في صفقة خاصة قيمتها 259.125 مليار ريال سعودي (69.1 مليار دولار).

يأتي الاتفاق، الذي يهدف إلى الإسهام في دعم خطط أرامكو للنمو في قطاع البتروكيماويات، بعد نحو 9 أشهر من المباحثات بين أرامكو وصندوق الاستثمارات العامة، وهو ما أسهم في تأجيل الطرح العام الأولي المزمع لـ”أرامكو”، الذي تقدر قيمته بمليارات الدولارات. وكان عملاقا النفط والبتروكيماويات في العالم قد بدآ محادثات هذه الصفقة في يوليو(تمّوز) 2018.

عرش إنتاج الكيماويات في العالم

ويقول موقع “إندبندنت عربية”، إنه بحسب المحللين فإن السعودية تسير نحو التربع على عرش إنتاج الكيماويات في العالم، أسوة بكونها أكبر مصدر للنفط الخام، حيث تطمح، بحسب رؤيتها 2030، إلى أن تكون الأولى في إنتاج وتصدير البتروكيماويات في العالم، خلال السنوات الست المقبلة في الأقل. كما تسهم الصفقة في تعزيز الدور الرائد في الخارطة الاقتصادية في العالم لتصبح الأكثر تأثيراً.

نقاط قوة وفوائد عديدة

ورصدت “إندبندنت عربية” نقاط القوة المالية والصناعية والفنية والتسويقية بين العملاقين والفوائد التي تعود عليهما من الاستحواذ، وكذا على الاقتصاد الوطني للسعودية. حيث يؤكد الخبراء في حديثهم أن الصفقة التي وصفت بأنها الأضخم في تاريخ سوق الأسهم السعودية والأكبر في منطقة الشرق الأوسط أيضاً، ستساعد على زيادة الحصة السعودية في سوق البتروكيماويات عالمياً، كما توحد الأهداف من أجل إنشاء شركة كبرى في قطاع الكيماويات لتحقق التكامل رأسياً في قطاعات أبرزها البتروكيماويات المتقدمة.

شركة طاقة متكاملة دوليًا

في الوقت ذاته، يشير الخبراء إلى أن الاستحواذ خطوة مهمة جداً نحو جعل “أرامكو” شركة طاقة متكاملة دوليًا، فيما تستفيد “سابك” من الإمكانيات اللوجستية لـ”أرامكو”، ما يجعلها أكبر شركة في العالم، ليس في مجال إنتاج الطاقة فحسب، وإنما في قطاع التكرير والمعالجة والتسويق والكيماويات. ويرى الخبراء أن تلك الصفقة تحقق عدة أهداف في وقت واحد، من بينها وضع صناعة النفط والبتروكيماويات تحت مظلة أكبر، الأمر الذي يساعد على تحسين الأداء التشغيلي وتقليل المصاريف المشتركة والاستفادة من رأس المال المجمد في أسهم “سابك” إلى استثمارات فاعلة جديدة.

استراتيجية “أرامكو” بعيدة المدى

وتتماشى الاتفاقية مع استراتيجية “أرامكو” بعيدة المدى لدفع عجلة النمو عبر تطوير وتعزيز محفظة أعمالها في قطاع التكرير والكيمياويات، وذلك من خلال زيادة إجمالي حصتها من الطاقة التكريرية العالمية من 4.9 مليون إلى ما بين 8 إلى 10 ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2030، على أن يتم تحويل 2 إلى 3 ملايين برميل في اليوم من هذه الكمية إلى منتجات بتروكيمياوية. وسيستهلك هذا الجزء من الأعمال كميات كبيرة من النفط الخام في التكرير والبتروكيميائيات. وتبلغ قدرة “أرامكو” الإنتاجية للبتروكيماويات نحو 16.8 مليون طن سنويًا، في حين تبلغ قدرة “سابك” الإنتاجية للبتروكيماويات نحو 61.6 مليون طن سنويًا، وبعد إتمام صفقة الاستحواذ ستتجاوز القدرة الإنتاجية مجتمعة للبتروكيماويات 80 مليون طن سنويًا.

وعبر استحواذها على 70% من “سابك”، تقود “أرامكو” خطة واعدة نحو التحول بصورة أكبر إلى صناعة البتروكيماويات بهدف تعزيز القيمة المضافة للقطاع النفطي، فضلاً عن إبرام عدة اتفاقات دولية أخيرًا، أبرزها توقيع مذكرة هي وشريكتها “توتال” الفرنسية مع شركة “دايليم” الكورية الجنوبية للبتروكيماويات، لإنشاء مصنع لإنتاج خام “بولي إيزوبيوتيلين” بطاقة إنتاجية 80 ألف طن سنويًا، وشراء حصة 9% في مشروع “تشجيانج” للبتروكيماويات بالصين بطاقة 800 ألف برميل يومياً، إلى جانب إبرام اتفاقية أخرى مع مجموعة “نورينكو” وشركة “بانجين سينسين” الصينيتين لتطوير مصفاة بطاقة 300 ألف برميل يومياً.

سيولة نقدية كبيرة لصندوق الاستثمارات العامة

وبحسب الخبراء، توفر الصفقة سيولة نقدية كبيرة لصندوق الاستثمارات العامة بما يزيد على 259 مليار ريال، وهذا المبلغ يسهم في تحقيق أهداف الصندوق الطموحة في أن يكون أهم اللاعبين الأساسيين في قطاعات التكنولوجيا والتقنية والتطوير والاستثمار في العالم. ويرى الخبراء أن الصفقة تلبي طموحات “أرمكو” التي تريد تأمين الطلب المستقبلي على إنتاجها، كما ستؤدي سيطرتها على “سابك”، أكبر شركة لتصنيع المواد الكيمياوية في الشرق الأوسط، إلى الاقتراب من هدفها المنشود في أن تصبح واحدة من أكبر منتجي المواد الخام المستخدمة في صناعة البلاستيك. وشركة النفط السعودية العملاقة المنتشرة حول العالم تستثمر في القطاع النفطي والقطاع اللوجستي وموجودة في قطاع الكهرباء والطاقة، وتستثمر أيضًا في قطاعات أخرى. ولم تمثل الصفقة جديداً على مستوى التعاون بين العملاقين، لا سيما وأنهما يعملان منذ فترة على مشروع ضخم بقيمة 20 مليار دولار سيتضمن بناء مجمع لتحويل النفط الخام إلى كيمياويات مباشرة دون الحاجة للمرور بمرحلة التكرير.

صفقة تاريخية وضخمة على المستوى العالمي

وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، قال في تغريدة على “تويتر”، إن اقتصاد السعودية هو الرابح من صفقة تاريخية وضخمة على المستوى العالمي كهذه. ويرى الوزير السعودي “أن الصفقة ستحدث تحولاً شاملاً، سيؤدي إلى إيجاد شركة طاقة وبتروكيمياويات وطنية عملاقة متكاملة تقود قطاع الطاقة العالمي، وتعزز بدرجة أكبر إمكانات النمو في (أرامكو) و(سابك) على المدى البعيد”.

قفزة نوعية

وتعليقًا على الصفقة، قال رئيس أرامكو السعودية وكبير الإداريين التنفيذيين، أمين الناصر في بيان “يُعد هذا الاستحواذ قفزة نوعية لدفع استراتيجية النمو التحويلية بأرامكو في مجال التكرير والبتروكيمياويات المتكاملة”. وأضاف الناصر: “(سابك) تعد شركة عالمية تتمتع بقدرات متميّزة سواء في قوتها العاملة أو قطاع البتروكيمياويات، وكجزء من مجموعة شركات أرامكو، سنعمل معاً على إنشاء منصة أقوى لتعزيز القدرة التنافسية، وتلبية الطلب المتزايد على الطاقة والمنتجات الكيمياوية التي يحتاج إليها عملاؤنا في جميع أنحاء العالم”.

استحواذ تاريخي

من جانبه قال د. محمد الصبان، الخبير الاقتصادي والنفطي السعودي إن “الاستحواذ تاريخي ومهم لصناعة البتروكيماويات، فضلاً عن كونه مربحًا للشركتين”. وأكد الصبان على أن “السعودية تخطو نحو زيادة القيمة المضافة من النفط الخام والغاز الطبيعي وتحقيق التكامل المطلوب بغرض تنويع مصادر الإيرادات العامة، والتحايل على ما يعرف بالنضوب الاقتصادي بأسواق النفط حالياً”. وأفاد الخبير الاقتصادي والنفطي “بأنه على الرغم من احتياطات النفط الضخمة فإن القيمة السوقية لبرميل النفط أقل من تكلفة الاستخراج والنقل، لا سيما مع ارتفاع المعروض العالمي وانخفاض معدلات الطلب، مما يدعو إلى الابتكار وإعادة تدوير المواد الخام لإيجاد منتجات أكثر قيمة وأسهل تسويقًا”.

وقال إن هذه الحصة ستمكن (أرامكو) من زيادة القيمة المضافة للنفط الخام، لافتًا إلى أن “هناك ما بين 2 إلى 3 ملايين برميل يوميًا ستتوجه للبتروكيماويات مباشرة، وسيكون النفط الخام هو القيمة الأساسية إضافة إلى الغاز الذي تستخدمه سابك”. ويرى الصبان، الذي شغل في السابق كبير المستشارين الاقتصاديين لوزير البترول والثروة المعدنية السعودية “أن أطراف الصفقة الثلاثة يحققون استفادة كبيرة، فصندوق الاستثمارات العامة الذارع الرئيسية لتمويل رؤية 2030 سيستفيد من السيولة بقيمة تقترب من 70 مليار دولار، وقد يؤدي إلى تأجيل طرح أرامكو إلا إذا دعت الحاجة لذلك”.

الاستحواذات تشهد زخماً كبيراً

وإلى ذلك، قال عبدالله باعشن، الخبير الاقتصادي السعودي “إن الاستحواذات بالسوق السعودية شهدت زخماً كبيراً منذ منتصف يونيو(تمّوز) 2018 بعد أن شهد الإعلان عن استحواذ ضخم بقطاع البنوك (بنكي الرياض- الأهلي)، وحاليًا قطاع النفط والبتروكيماويات”، مؤكدًا “أن الصفقات تعزز ترقية البورصة السعودية بالمؤشرات العالمية، لا سيما بعد الترقية بأربعة مؤشرات للأسواق الناشئة والصاعدة”. وتوقع باعشن أن تسهم الصفقة الأخيرة في دخول سيولة أجنبية، مع الصورة الإيجابية التي تعكس صفقات الاندماج الكبرى ويزيد الثقة بالاقتصاد الوطني. وقال الخبير السعودي “إن الاستحواذ على حصة حاكمة بـ(سابك) يشير إلى التأثير الكبير المتوقع لأرامكو على بيئة عمل، كما يعزز القيمة السوقية لأرامكو قبل الطرح العام لنحو 5 إلى 10% من أسهمها”.

وأكد “أن الصفقة ستوفر فرص نمو ضخمة بقدر ضخامة الشركاء، وسيعزز مكانة السعودية كرابع أكبر منتج للبتروكيماويات عالميًا، وسيتيح قاعدة رأسمالية أكبر لكلا الشركتين وتوحيد الإدارة يساعد على نجاح الرؤى المستقبلية مما يصب في صالح الاقتصاد الوطني، ويساعد في تحسين الدخل القومي”. وأفاد باعشن “أن صندوق الاستثمارات العامة مستفيد أيضًا من إتمام الصفقة نظرًا للسيولة المالية التي ستوفرها مما يمكن الصندوق السيادي من تمويل خطط الاستثمار طويلة المدى في ظل السعي ليكون أكبر صندوق سيادي عالمياً”. وتابع: “ستستفيد الشركتان من توحيد الإدارات المختلفة كالمحاسبة والمشتريات والمشاريع مما يعزز عملية خفض النفقات، إضافة إلى الاستفادة من الشراكات الأجنبية مثل (أكسون موبيل) و(توتال)”.

“أرامكو” أكبر كيان للنفط والغاز في العالم

وحسب أحدث تقارير الأعمال الصادرة عن (أرامكو)، فإن الشركة أكبر كيان إنتاجي متكامل في قطاعي النفط والغاز في العالم، من خلال إدارة احتياطيات من النفط المكافئ تصل إلى 333 مليار برميل بنهاية 2017، لتفوق التقديرات العالمية بمقدار 265 مليار برميل، بما يعادل 15% من الاحتياطي العالمي، وبلغ إنتاج النفط الخام والمكثفات الممزوجة 10.2 مليون برميل يومياً، و12.4 مليار قدم مكعبة من الغاز الخام وتوريد 8.7 مليار قدم مكعبة يومياً. وتشكل (أرامكو) أحد الأعمدة الرئيسية في تنفيذ رؤية السعودية 2030 للتنويع الاقتصادي، حيث تطمح الحكومة السعودية إلى طرح 5% من أسهم الشركة في أسواق المال، لجذب مستثمرين جدد وتدفقات نقدية أجنبية تصل إلى 100 مليار دولار، في ظل تقديرات أولية لقيمة الشركة بنحو تريليوني دولار، في وقت تدير شركة (سابك)، والتي يقع مقرها الرئيس في الرياض، أعمالاً في أكثر من 50 دولة على مستوى العالم ويعمل بها 33 ألف موظف وموظفة.

وبلغ إنتاج الشركة الإجمالي في مختلف وحدات الأعمال التابعة لها 75 مليون طن متري في العام الماضي، وسجلت صافي دخل 5.7 مليارات دولار، ومبيعات سنوية بقيمة 45 مليار دولار، وإجمالي أصول 85 مليار دولار. وبينما يؤكد محللون ماليون أن قيمة الصفقة تعتبر عادلة ومنطقية من وجهة نظر تقييمية محضة، فيما أظهر رصد «إندبندنت عربية» أن القيمة السوقية لسابك المدرجة في سوق الأسهم السعودية، ورابع أكبر شركة بتروكيماويات في العالم بلغت 374.4 مليار ريال سعودي (99.8 مليار دولار) مع آخر إغلاق لسهم الشركة عند 124.6 ريال الخميس. وبذلك تضيف الصفقة التاريخية نحو 1.8 مليار ريال إلى القيمة السوقية لـ(سابك) في يوم واحد، بعد أن كانت 372.6 مليار ريال (99.3 مليار دولار) في إغلاق الأربعاء.