اعلان

شاهد: خطيب الحرم المكي: واجب كل مسلم إلزام نفسه وأهله بطاعة الله

Advertisement

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور أسامة خياط، المسلمين بتقوى الله في السر والعلن وفي الخلوة والجلوة، عادّها وصيةً للأولين والآخرين.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها في المسجد الحرام اليوم: إن أجلّ صفات المؤمنين حقاً، وأعظم سجايا المتقين المخلصين من عباد الله، التي امتازوا بها على من سواهم من الكافرين المكذبين بآيات الله عز وجل ورسله؛ ما آتاهم ربهم من حياة القلب، وسمو الروح، ورهافة الحس؛ مما يجعلهم حين يسمعون الله تعالى يناديهم في مُحكم كتابه بصفة الإيمان {يا أيها الذين آمنوا..} يقبلون على هذا النداء بآذان مصغية، وقلوب خاشعة، وعقول واعية؛ لأنهم يستيقنون أنه خير يؤمرون به، أو شر ينهون عنه.

وأوضح أنه كان من نداءات الرحمن لأهل الإيمان في القرآن، قوله عز اسمه: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}. وإنه لنداء ما أعظمه، وما أعظم ما جاء فيه من تقرير بيّن لمسؤولية كل امرئ عن نفسه، وعن من استرعاه الله من الأهل والولد والأقربين. وتلك المسؤولية الشخصية والعائلية، التي توجب عليه كمال الحرص على أن يجعل بينه هو وهم وبين النار وقايةً تقيه وتقيهم عذابها يوم القيامة.

وأضاف أنه كما أن كل إنسان ألزمه طائره في عنقه أي: ما عمل من خير وشر فيكون ملازماً له، مجزياً به، محاسباً عليه، يجده يوم القيامة بين يديه، منشوراً في كتابه أمام ناظريه، فهو أيضاً مسؤول عمن ولاه أمره، وأسند إليه رعايته، من أهله وولده، كما أخبر بذلك رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه بقوله في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته).

وأردف: هي إذن مسؤولية جسيمة، وأمانة عظيمة، تقتضي من كل مؤمن بالله تعالى، موقن بلقائه، مصدق بجزائه وحسابه، وثوابه وعقابه، أن يعمل على وقاية نفسه ومن استرعاه من أهل وأبناء وبنات وأقارب؛ من كل ما يفضي به وبهم إلى دخول النار يوم القيامة، والاصطلاء بحرّها، والتردي في عذابها.

وأكد “خياط” أنها وقاية تتحقق بإلزام النفس والأهل والولد بالاستجابة لله وللرسول، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي؛ متخذاً لنفسه أقوى مُعين، وأجلّ واقٍ يقيه من عذاب الله، بتوحيده سبحانه، وإفراده بالعبادة وحده، دعاءً وصلاةً، ونذراً وذبحاً وحلفاً، ومحبةً وخوفاً ورجاءً، وتوكلاً وإنابةً وخضوعاً، وإخباتاً وخشوعاً، بأدائها وأداء كل ما تعبّده الله به خالصاً له سبحانه؛ موافقاً لما شرعه وأذن به، متابعاً فيه رسوله صلى الله عليه وسلم، وباجتناب أعظم المعاصي، وأشدها، وأقبحها مآلاً؛ وذلك هو الشرك به سبحانه، بصرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره عز وجل؛ فإنه الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه، كما قال سبحانه: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذٰلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً}. وأشار إلى أنه من الواجب أن تكون توبة المسلم نصوحاً من جميع الخطايا والسيئات، امتثالاً لأمره بقوله: {‏‏وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}‏‏، وبقوله: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحاً}.

وتابع بالقول: لن تكون هذه التوبة نصوحاً إلا بالإقلاع عن المعصية، وبالندم الصادق على اقترافها، والعزم الجازم على عدم العودة إليها، ورد المظالم والحقوق إلى أهلها إن تعلقت بحقوق العباد؛ فإذا قرن هذه التوبة بكمال مراقبة ومحاسبة لنفسه، ودوام تلاوة لكتاب ربه بالتدبر والتفكر، وتقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض، ومصاحبة للأخيار الأبرار، الذين يذكّرونه حين ينسى، ويعينونه حين يذكر، ومحبة الخير للمؤمنين، وكف الأذى عنهم، والإحسان إليهم بكل ضروب الإحسان، ومنه: النصح لهم، وتحذيرهم غوائل العلو على الله بالعتو عن أمره، والمؤاسفة له الموجبة لانتقامه وأليم عقابه. إنه إذا قرن التوبة النصوح بهذه الخصال الشريفة، كان مبلغ نجحه في وقاية نفسه النار عظيماً.

وأردف: أما وقاية الأهل والولد أبناءً وبناتاً، وكل من استرعاه الله أمره؛ فبالأمر والنهي، وبالتعليم والتوجيه، وبالتأديب والمراقبة والمتابعة، والتفقد لأحوالهم وأحوال من يصحبون ومن يجالسون، في نهج من الحكمة، جامع بين الحزم والعزم، وبين الحلم والرفق والأناة، مستعملاً كل مسلك فيما يلائمه؛ إذ الحكيم من يضع الأشياء في مواضعها، ويلبس لكل حال لبوسها، فيما يحل ولا يحرم ويحمد ولا يعاب؛ فهو كالطبيب الذي يعرف الداء فيصف له ما يناسبه من دواء بالمقدار الذي يقتضيه وفي الزمن الذي يستلزمه؛ مدركاً أن ما جاء من توجيه نبوي كريم في شأن الجليس الصالح والجليس السوء.

وقال “خياط”: هذا التوجيه يعم كل مجالس، سواءً أكانت مجالسته بالطريقة المباشرة المعتادة، أم كانت عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها مما جاء به الإعلام الجديد، مما هو أكثر شيوعاً واستخداماً، وأقوى تأثيراً وأخطر مآلاً وعقبى؛ فمن أعرض عن هذا واتبع هواه، وعصى ربه ومولاه، وفرط فيمن استرعاه؛ فذلك الذي خسر في دنياه وأخراه، حين خان ما أسند إليه من أمانة الرعاية لمن تحت ولايته، وأضاع ما حمل من أمر إصلاحهم وإرشادهم، وسلوك سبيل الاستقامة بهم، وخسر حين أعقبهم ذلك تجافياً عنه، وتجهماً له، فغدوا خصوماً له وأعداءً، بدل أن يكونوا أصفياء وأولياءً. هنالك تعظم مصيبته، وتشتد حسرته، وتبقى على الأيام ندامته.