البيعة.. “منهج رباني” التزمه ملوك المملكة.. هذا تاريخها ودلالاتها ومفهومها

البيعة نهج شرعي رباني، التزمه حكام المملكة العربية السعودية، طاعة لله ورسوله، وتأسياً بالصحابة الكرام الذين بايعوا الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما قالوا لأبي بكر “ابسط يدك لنبايعك” فبسط عمر يده إليه فبايعه، ثم أبو عبيدة، ثم بقية الصحابة. وبمناسبة الذكرى الرابعة لبيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، تستقرئ “سبق” النهج الرباني للبيعة التي سار عليها الخلفاء والأمراء والحكام في الإسلام، وحرص الحكام في الدولة السعودية في جميع مراحلها على تطبيق المنهج الشرعي للبيعة تحكيماً لكتاب الله وسنة رسوله، وتأسياً بالصحابة الكرام.

مفهوم البيعة في الإسلام ومدلولاتها

يقول الدكتور مساعد الشريدي أستاذ السياسة الشرعية بجامعة شقراء: “البيعة هي إعطاء العهد من المبايع على السمع والطاعة للإمام في غير معصية، في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وعدم منازعته الأمر، وتفويض الأمور إليه، قال ابن خلدون في مقدمته: اعلم أن البيعة هي على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره”. ويضيف ابن خلدون: “كانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده، جعلوا أيديهم في يده، تأكيداً للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة، مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي، هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع، وهو المراد في الحديث في بيعة النبي، صلى الله وعليه وسلم، ليلة العقبة وعند الشجرة”.

إجراءات البيعة تشمل بيعة الانعقاد وبيعة الطاعة

ويضيف الدكتور الشريدي قائلاً: “إجراءات البيعة في الإسلام تبدأ ببيعة الانعقاد ثم بيعة الطاعة، وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته في إجراءات البيعة، أن البيعة تكون على مستويين: الأول وتسمى بيعة الانعقاد: وبموجبها ينعقد للشخص المبايع السلطان، ويكون له بها الولاية الكبرى أو الإمامة الكبرى دون غيره حسماً للخلاف حول من يتولى أمر المسلمين، وهذه البيعة هي التي يقوم بها أهل الحل والعقد، أما المستوى الثاني فهو ما يسميه العلماء بالبيعة العامة أو بيعة الطاعة، ويقصد بها بيعة سائر المسلمين للخليفة، فهي بيعة شعبية عامة، وقد حدثت بالنسبة لأبي بكر، رضي الله عنه، إذ بعد أن بايعه أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، دعي المسلمون للبيعة العامة في المسجد”.

البيعة لولي الأمر ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة

ويؤكد الدكتور الشريدي أن البيعة الشرعية لولي الأمر لها أصلها في الإسلام، وأدلتها من الكتاب والسنة، قائلاً: “لقد بايع الصحابة -رضوان الله عليهم- رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام والهجرة والنصرة والمنعة، وعلى الجهاد في سبيل الله تعالى، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيمًا} كما بايعوه – صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة, يقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» متفق عليه. وأجمع علماء الإسلام على وجوب مبايعة إمام المسلمين في المنشط والمكره.

لماذا البيعة من أعظم مقاصد الشرع

ويشير الدكتور الشريدي إلى أن بيعة ولي أمر المسلمين تعد من أعظم المقاصد الشرعية التي جاءت الشريعة الإسلامية بالأمر بها والتأكيد عليها والتحذير من التساهل في أمرها وبيان خطر الإخلال بها ونقضها؛ لأن البيعة لولي أمر المسلمين سبب عظيم لتحقيق مقاصد الدين من قيام الشرع وتطبيق أحكامه وتنفيذ حدوده, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, واستقرار المجتمع والتحامه واجتماعه ووحدته وأمنه وحفظ الحقوق والبعد عن الشقاق والاضطراب والتنافر وإراقة الدماء وحصول الفتن والشرور والمحن”.

البيعة في العصر الحديث

ويقول الدكتور عبداللطيف بن محمد الحميد، الأستاذ المشارك بقسم التاريخ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: “أول تطبيق لنظام البيعة في العصر الحديث كان على يد الإمام محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبدالوهاب، عندما اتفقا على تأسيس الدولة السعودية الأولى انطلاقاً من تجديد الدين وإقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة الإسلامية”.

البيعة لحكام الدولة السعودية وسلاسة انتقال الحكم

ويقدم الدكتور الحميد نماذج حية من تاريخ المملكة في سلاسة انتقال الحكم قائلا: “في عام 1179هـ/ 1765م، توفي الإمام محمد بن سعود، رحمه الله، وبويع ولي عهده الإمام عبدالعزيز بن محمد، وجرت البيعة من قبل الخاص والعام حاضرة وبادية”. ويضيف: “بعد استشهاد الإمام عبدالعزيز بويع ابنه الإمام سعود سنة 1218ه/1803م، يقول المؤرخ ابن بشر في هذا الصدد: “فقام الناس فبايعوه خاصتهم وعامتهم وعزوه بأبيه، ثم كتب إلى أهل النواحي نصيحة يعظهم ويخبرهم بالأمر ويعزيهم ويأمرهم بالمبايعة وكل أهل بلد وناحية يبايعون أميرهم لسعود”. ويتابع: “بعد وفاة الإمام سعود سنة 1229ه/1814م بويع ولي عهده ابنه عبدالله من جميع الرعايا البادية والحاضرة ووفدوا عليه من كل حدب وصوب”. ويردف قائلاً: “هكذا نجد في الدولة السعودية الثانية نماذج أخرى حية لاستقرار الحكم السعودي وثباته وفق أصول إسلامية وتقاليد عريقة، فتمت بيعة الإمام فيصل بن تركي سنة 1250ه/1834م بعد استشهاد والده الإمام تركي بن عبدالله في الرياض “.

ويتابع: “في اليوم الذي توفي فيه الملك عبدالعزيز رحمه الله سنة 1373ه/1953م بويع ولي عهده الأمير سعود ملكاً على المملكة، ثم في عام 1384ه/1964م اجتمع مجلس الوزراء والشورى برئاسة الأمير خالد بن عبدالعزيز وبايع الأمير فيصل ملكاً للمملكة العربية السعودية استناداً إلى خطاب موجّه من أسرة آل سعود ومن العلماء ثم تتابعت البيعة من أفراد الشعب”. ويضيف: “في عام 1395ه/1975م استشهد الملك فيصل رحمه الله وبويع ولي عهده الأمير خالد بن عبدالعزيز ملكاً على البلاد والأمير فهد بن عبدالعزيز ولياً للعهد، ثم بويع الأمير فهد ملكاً بعد وفاة أخيه الملك خالد رحمهما الله يوم الأحد 21 شعبان 1402ه/1982م، والأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولياً للعهد”. ويواصل قائلاً: “بعد انتقال خادم الحرمين الشريفين الملك فهد إلى رحمة الله في جمادى الآخرة 1425ه/ أغسطس 2005م بويع الأمير عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – ملكاً للمملكة العربية السعودية وخادماً للحرمين الشريفين، وبعد وفاة الملك عبدالله في 3 ربيع الثاني 1436 هـ الموافق 23 يناير 2015م بويع الملك سلمان ملكاً للمملكة العربية السعودية وخادماً للحرمين الشريفين، ثم بويع الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد حفظهما الله وأبقاهما ذخراً للإسلام والمسلمين.

وأضاف: “من هنا يتضح العمق التاريخي الأصيل لمسيرة البيعة وسلاستها في العهد السعودي عبر تاريخنا العربي المعاصر.. وهو بذلك يقدم أنموذجاً مثالياً للتعاليم الإسلامية الكريمة، الأمر الذي يوضح بجلاء سمات البيعة القائمة على أسس عظيمة وقواعد مرعية وأعراف خالدة تستمد العون والرشاد من التعاليم الربانية والسنة النبوية وسيرة السلف الصالح من الخلفاء والملوك والأمراء والولاة على امتداد تاريخنا الإسلامي”.

اترك رد