اعلان

استغلال السلطة بقضية “خاشقجي” ليس الأول.. من قبل أحدث “نصر” هزيمة عسكرية و”نيكسون” أزمة سياسية

Advertisement

كشفت نتائج تحقيقات النيابة العامة السعودية في حادثة مقتل المواطن جمال خاشقجي، التي أعلنت، اليوم (الخميس)، عن سياق تسلسل وقائع الحادثة، وأوامر المهمة، والأفعال التي مورست فيها، والوسائل التي استخدمت في تنفيذها، والتوقيتات الزمنية لمسارها، والمسؤولين السابقين والأشخاص الضالعين في ارتكاب الجريمة، وأثبتت المعلومات الغزيرة التي سيقت في إطار كل هذه العناصر، وكذلك التفاصيل الدقيقة لمجريات تسلسل واقعة القتل، أن المنحى الكارثي لحادثة “خاشقجي” التي انتهت بالقتل وتقطيع الجثة؛ ناجم عن استغلال السلطة وإساءة استعمالها من قبل المسؤولين السابقين والأشخاص المكلفين بالمهمة، وتجاوزهم التام للصلاحيات المخولة لهم بموجب مناصبهم.

حالة فردية

واستغلال السلطة وإساءة استعمالها، تصرف وارد من قبل بعض المسؤولين والموظفين في دوائر العمل الرسمية وغير الرسمية من شركات القطاع الخاص، ولا يقتصر على مؤسسة حكومية أو شركة دون غيرها، فمن الوارد حدوثه في أهم المؤسسات وأقلها أهمية على السواء؛ ذلك لأن استغلال السلطة يعود إلى دوافع شخصية؛ بعضها استقواء الشخص بمنصبه، وظنه أنه بمنأى عن المحاسبة والعقاب. ولا تكاد تخلو دولة في العالم من نماذج تستغل سلطاتها، فإساءة استعمال السلطة ظاهرة منتشرة في كل الدول، وتتفاوت في كثافة مستواها بين دولة وأخرى، والتورط في قتل “خاشقجي” مثال لها، لكنها لا تعني قطعاً الواقعة الوحيدة في العالم، كما لا تمثل الحالة التي عليها الجهاز الإداري للدولة السعودية، فهي حالة فردية وقاصرة في تمثيلها على الأشخاص الضالعين في ارتكاب الجريمة، ولا علاقة لها بالجهاز الإداري للدولة الذي يسير بموجب قوانين وأطر نظامية محددة.

كوارث وأزمات

ويمتلئ التاريخ الحديث بوقائع كثيرة لمسؤولين أساؤوا استغلال مناصبهم، وتسببوا في كوارث لبلدانهم، مثل انحراف قائد جهاز المخابرات المصري السابق صلاح نصر وتورطه في قضايا أخلاقية؛ مما تسبب في إضعاف الجهاز وتراجع قدراته، وانعكس ذلك عسكرياً بحدوث هزيمة يونيو (حزيران) 1967، وتحميل التحقيقات التي جرت في أعقابها لصلاح نصر جزءًا من مسؤولية الهزيمة وتقديمه للمحاكمة جراء جرمه. ومن الوقائع الشهيرة أيضاً التي جرت على مستوى رئاسي: استغلال الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون سلطاته في إعطاء أوامر بالتجسس على الحزب الديمقراطي المنافس لحزبه في الانتخابات الرئاسية عام 1972؛ مما تسبب في أزمة سياسية هائلة، اضطر “نيكسون” على أثرها إلى تقديم استقالته، ثم محاكمته بعد ذلك على تورطه في واقعة التجسس، التي عرفت بـ”فضيحة وترجيت”.

تصحيح المسار

والنيابة العامة السعودية كجهاز قضائي مستقل، تمثل جزءًا من منظومة إدارة الدولة في المملكة، تلك المنظومة الكفيلة بتصحيح مسار أي تصرف خاطئ من جانب مسؤول أو موظف في الدولة ومحاسبته ومعاقبته، بما يحافظ على سلامة جهاز الدولة ويضمن قيامه بوظائفه المنوطة به، والدور الذي نهضت به النيابة العامة في كشف ملابسات مقتل “خاشقجي”، وحصولها على اعترافات من المتورطين في الجريمة بالأدوار التي نفذوها، جزء من مهمتها في أداء المنظومة الإدارية للمملكة، وهو دور قضائي غايته المحاسبة والمعاقبة على ارتكاب الأخطاء كي لا تتفشى. وبعد أن قطعت النيابة العامة السعودية هذا الشوط في كشف حقيقة مقتل “خاشقجي”، فإن المنتظر من نظيرتها التركية تزويدها بأي معلومات قد تضيف إلى نتائج التحقيقات التي أعلنت اليوم، لاسيما أنها حصيلة لاعترافات الضالعين في الجريمة؛ وذلك من أجل تعزيز فرص تطبيق العدالة في هذه القضية، التي اكتسبت أبعاداً إنسانية بعد الكشف عن الاعتداءات الأليمة التي تعرض لها “خاشقجي”.