اعلان

انفجار فقاعة الأكاذيب.. إرهاب قطر في عين العاصفة

Advertisement

خارج دائرة التوقعات تماماً، وبما يتعارض مع متطلبات موقفها الضعيف في أزمتها الراهنة مع دول الرباعي العربي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، أو ينسجم مع افتقارها لأي أوراق ضغط تتيح لها إملاء شروط، وضعت قطر شروطاً مسبقة على حل أزمتها مع دول الرباعي، معلنة على لسان وزير دفاعها خالد العطية مؤخراً، أن “أي حل للأزمة يجب أن تسبقه شروط قائمة على الاعتذار للشعب القطري، ثم رفع الحصار، والجلوس إلى طاولة الحوار”، وذلك في تجاهل فج لجذور الأزمة المتمثلة في تراكمات الانتهاكات القطرية لأمن وسيادة الدول الأربع على مدى أكثر من عقدين، منذ أن انتزع أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني السلطة من والده، عقب الانقلاب عليه في يونيو(حزيران) 1995.

وكما هو متوقع رفضت دول الرباعي شروط قطر، مؤكدة تمسكها بالمطالب الـ13 والمبادئ الستة كأساس لحل الأزمة، واللافت في تصريح “العطية” كشفه عن استمرار غياب الرؤية التصالحية عن التعاطي القطري مع الأزمة، رغم مرور أكثر من سنة ونصف على تفجرها في يونيو 2017، لكن بواعث التصريح الذي يرسم فيه “العطية” صورة مغايرة لبلاده، مصوراً إياها في صورة الضحية المعتدى عليها، لا الضالعة في التآمر على غيرها كما هي حقيقتها، مفهومة تماماً باعتبار أن ذلك التصريح يمثل جزءاً من الأنشطة المحمومة، التي تمارسها قطر لتشتيت انتباه العالم عن حقيقة السياسات التخريبية التي تنتهجها، بعد أن كشفت مقاطعة دول الرباعي حقيقة هذه السياسات أمام الرأي العام العالمي، في أول مواجهة علنية لإثناء قطر عملياً عن التخلي عنها، بعد أن ظلت تلك السياسات تناقش طيلة 22 عاماً على مستوى صناع القرار، ودوائر أجهزة الاستخبارات في المنطقة والعالم.

الأنشطة المخادعة

واعتمدت قطر في تنفيذ أنشطتها المخادعة للرأي العام على خيار تدويل الأزمة كتوجه أساسي، موزعة تحركاتها في تنفيذه على مسارين: الأول، الادعاء ضد بعض دول الرباعي أمام جهات التقاضي الدولية بقضايا تحمل طابع حقوق الإنسان؛ بهدف استدرار تعاطف العالم معها. والثاني، انخراط أميرها تميم بن حمد ووزير خارجيته محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، في برنامج زيارات مفتوح إلى الدول الكبرى والأقل منها وزناً؛ لإعطاء قطر صبغة دبلوماسية عبر كثافة اللقاءات الدولية في محاولة للتخفيف من عنفوان الصورة، التي ترسخت عنها في الفترة الأخيرة كمركز داعم لانتشار الإرهاب.
فبحسب مسح أجراه موقع “الخليج أونلاين” القطري، أجرى الشيخ تميم بن حمد 23 زيارة خارجية خلال العام الأول من مقاطعة دول الرباعي للدوحة، ناهيك عن استهلاله العام الثاني للأزمة بزيارة إلى فرنسا ثم بريطانيا، ومشاركته في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي، وقيامه في أعقابها بجولة في قارة أمريكا الجنوبية، زار خلالها دول: الإكوادور، وبيرو، وباراجواي، والأرجنتين.
وفي تحركاتها لخداع الرأي العام، عمدت قطر عبر منظومتها الدعائية وحملات العلاقات العامة التي أطلقتها في عواصم اتخاذ القرار، إلى إيهام العالم بأن قضية دعمها للإرهاب هي مجرد تهمة ألصقتها بها دول الرباعي العربي، وأمعنت في التركيز على هذه المغالطة؛ للخروج من مأزقها الحالي، وللتغطية على تاريخها المرتكز على الاعتماد على الإرهاب كأداة لتحقيق خططها السياسية والاقتصادية، الذي بدأ استيلاء حمد بن خليفة على السلطة.

بيئة متساهلة

ورغم كثرة الأدلة التي تُثبت قِدَم ضلوع قطر في دعم انتشار الإرهاب، وتدحض زعم أنها تهمة ألصقت بها، تحظى شهادات المؤسسات والمسؤولين الأمريكيين بالأهمية؛ لما تكتسبه من مصداقية مهنية وسياسية في ضوء علاقات التحالف بين واشنطن والدوحة، وعدم منطقية الاشتباه في أي تحيز أمريكي ضد قطر في هذا الإطار، ومن تلك الشهادات تحذير التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عام 2013 عن “البلدان الخاصة بالإرهاب”، من “خطر التمويل الإرهابي الكبير الناشئ عن جامعي التبرعات في قطر”، وكما يلاحظ فإن تاريخ تقرير الخارجية الأميركية الذي يتضمن تقييماً لأنشطة قطر في دعم الإرهاب يشير إلى توقيت زمني متقدم على تفجر أزمتها مع دول الرباعي العربي، ما يدحض ادعاءها بأنها تهمة.
ولا تقل أهمية عن سابقتها، شهادة مساعد وزير الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية ديفيد كوهين في الخطاب الذي ألقاه أمام الكونجرس في الرابع من مارس (آذار) 2014م، قائلاً: “إن قطر تعد بيئة متساهلة مع التمويل الإرهابي، ومن المؤلم أن إيران ليست الدولة الوحيدة التي تقدم الدعم المالي للمنظمات الإرهابية، وأبرز هذه الدول هي قطر، حليفة الولايات المتحدة منذ فترة طويلة”، وتشير عبارته “أبرز هذه الدول هي قطر” إلى ضخامة أنشطة قطر في دعم الإرهاب، كما أن تعاقب تاريخ شهادته لتوقيت تقرير الخارجية الأمريكية يقدم إثباتاً زمنياً على تواصل النشاط القطري في دعم الإرهاب وعدم ارتباطه بظروف عارضة.
ويتوزع توظيف قطر للإرهاب في خدمة سياساتها على مسارين أساسيين، الأول، أمني، تتبنى فيه توجه زعزعة الاستقرار في دول الجوار العربي القريبة والبعيدة وخلخلتها أمنياً، عن طريق إثارة الاضطرابات وتحريك العناصر والقوى المعارضة في الداخل والخارج، تطبيقاً للأهداف التي أرساها الشيخ حمد بن خليفة عقب انقلابه على والده؛ لضمان احتكار نسله للعرش القطري، بدعوى أن ضمان أمن هذا العرش لن يتأتى إلا بإضعاف دول المحيط والجوار العربي، وإرباك منظوماتها الأمنية.

أدلة التورط

ومن الأدلة الدامغة على ضلوع قطر في أنشطة معادية لدول الجوار، تعهد أمير قطر تميم بن حمد، عبرتوقيعه على وثيقة اتفاق الرياض في 23 سبتمبر 2013 بـ”عدم دعم الإخوان أو أي من المنظمات أو الأفراد الذين يهددون أمن واستقرار دول المجلس عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس بشكل مباشر أو غير مباشر وعدم إيواء أو تجنيس أي من مواطني دول المجلس ممن لهم نشاط يتعارض مع أنظمة دولته إلا في حال موافقة دولته، وعدم دعم الفئات المارقة المعارضة لدولهم، وعدم دعم الإعلام المعادي”.
وفي سياق سرد الأدلة التي تتسم بصفة الإقرار التام بالتورط، يتحلى بالموثوقية الكاملة هنا، مقطع الفيديو الذي فضح تآمر حمد بن خليفة مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ضد السعودية، والذي يعترف فيه بأن “قطر هي أكثر دولة سببت إزعاجاً للسعودية”، كما يقر بدعم العناصر المعارضة، وإنشاء قنوات موجهة ضدها منها قناة “الحوار” في لندن التي بدأت البث عام 2006، وقناة “الجديد” في لبنان التي أعيد إطلاقها عام 2001م لهذا الغرض، ومرة أخرى يثبت السياق الزمني المتقدم لإقرار أمير قطر الحالي ووالده، ضلوع قطر في أنشطة موظِفة للإرهاب في خدمة سياساتها، قبل أزمتها مع دول الرباعي.

وفي المسار الثاني، توظف قطر الإرهاب لتحقيق طموحاتها الاقتصادية في مساعيها للاستحواذ على أكبر نصيب من سوق الطاقة الأوروبي، من خلال التخطيط لضخ غازها إلى أوروبا عبر أنابيب تمر بسوريا وتركيا، مستغلة التوجه الحالي لدول الاتحاد الأوروبي لتقليل الاعتماد على استيراد مشتقات الطاقة من روسيا وإيجاد بدائل لها، ولتحقيق هذا الهدف وجهت قطر التنظيمات الإرهابية التي تدعمها بزيادة أنشطتها في كل الدول التي تملك احتياطيات من الغاز أو البترول في محيط القارة الأوروبية مثل مصر التي اكتشفت فيها عدة آبار غاز ضخمة في السنوات الأخيرة، وليبيا التي تعد خامس دولة في العالم في امتلاك الغاز الصخري، أو الدول التي تقع على مسارات التصدير إلى أوروبا كالعراق وسوريا، اللتين رفضتا تمرير الغاز القطري في أراضيهما، فعملت الدوحة على سيطرة تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة” الإرهابيين على أجزاء من أراضي الدولتين؛ لمعاقبة نظاميهما وحرمان إيران من مزاياهما في تصدير غازها إلى أوروبا.

تآمر وتحريض

ويتطابق نطاق الإرهاب القطري مع سياسات الدوحة في شقيها الأمني والاقتصادي، ويتنوع عبر هذين المسارين بين دعم التنظيمات الإرهابية مثل “داعش” و”القاعدة” والإخوان المسلمين لضرب الاستقرار في مصر وليبيا والعراق وسوريا، والتآمر ضد السعودية والإمارات والبحرين، والإضرار بالعمق الأمني لهذه الدول، خصوصاً السعودية بإذكاء حدة الصراع الدموي في اليمن، وتشجيع الحركات المتمردة على مناوئة السلطات في بلادها، كتحريض رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم لأمين عام جمعية الوفاق البحرينية الموالية لإيران علي سلمان على الاستمرار في اضطرابات عام 2011م، التي اضطرت الحكومة البحرينية إلى طلب تدخل قوات “درع الجزيرة”، لحماية المنشآت الحيوية في البلاد، والتحريض موثق في مقطع صوتي كشفت عنه مملكة البحرين العام الماضي.

وفي ضوء الاعتماد الواسع لقطر على الإرهاب كأداة أساسية في تحقيق سياساتها، وتخصيصها مبالغ ضخمة في تمويل الإرهاب، إذ أشارت تقارير إلى أن حجم التمويل القطري للإرهاب بلغ نحو 65 مليار دولار في الفترة بين عامي 2010 و2015، أي بمعد 13 مليارًا في السنة، وكذلك في ضوء عدد التنظيمات الإرهابية التي تدعمها، وتعاظم تورطها في تأجيج نزاعات المنطقة، وضخامة عدد الإرهابيين والمعارضين الذين تؤويهم وتمولهم، فإن قطر تمارس الإرهاب بمفهوم إرهاب الدولة، وتشكل من هذه الناحية مخاطر كبيرة على سلامة النظامين الإقليمي والدولي، اللذين تتصادم مع توجهاتهما الحالية في القضاء على التنظيمات الإرهابية وتجفيف منابع تمويلها، مثلما ظلت منذ استيلاء حمد بن خليفة على الحكم عامل هدم غير مرئي، لمصالح دول مجلس التعاون الخليجي والمبادئ التي تأسس عليها.

رهانات خاسرة

وتخطئ قطر في التقدير إذا اعتقدت أنها قادرة على تشتيت انتباه العالم أو تضليله عن توظيفها للإرهاب في تحقيقها سياساتها، بعد انكشاف حيلها، وانفجار فقاعة أكاذيبها وادعاءاتها، وافتضاح أمرها بفعل مقاطعة دول الرباعي لها، أو أنها ستنجح في إيهام الرأي العام الدولي بأن علاقتها بالإرهاب مجرد تهمة، بعدما ثبت لديه أنها دولة راعية للإرهاب، وتتكامل معه في أدائها السياسي والدبلوماسي والإعلامي، بما يقطع بأنها تستخدم كيانها الاعتباري كدولة في هدم ما تقره القوانين الدولية.
ومن الصعب على الإطلاق بعد الوصول إلى هذا المستوى من الإدراك العالمي لحقيقة سياستها المرتكزة على احتضان الإرهاب التفكير بأنها ستخرج من أزمتها بالمراهنة على خداع العالم أو عامل الوقت أو تخفيف الضغوط عليها بسبب الاهتمام ببعض القضايا المستجدة، مثل قضية موت الصحفي السعودي جمال خاشقجي؛ لأن إرهاب قطر أصبح محط اهتمام المؤسسات الدولية، وأضحى من هذه الناحية في عين العاصفة ولا يمكن التغاضي عنه، كما أصبح جزءاً من وعي شعوب المنطقة، ولن يتسنى للدوحة تغييره في ظل استمرارها على نهجها الحالي.