اعلان

ماكينة الاغتيالات الإيرانية تتواصل في ظل الاتفاق النووي

Advertisement

Advertisement

يقول المعارض الإيراني الكاتب محمد رضا سرداري إن مسلسل الاغتيالات الإيرانية متواصل وخصوصاً في ظل الاتفاق النووي، ويضيف: بعد مرور حقبتين على توقف آلة الاغتيال خارج الأراضي الإيرانية، تشير الأخبار هذه الأيام إلى إمكانية تحرك هذه الآلة القديمة مرة أخرى. في شتاء عام 2016م، لقي خبر مقتل شخص تقني إيراني الأصل يعمل في مجال الكهرباء يسمى “علي معتمد” أصداء في إحدى القنوات التلفزيونية الهولندية التي تتبع الأخبار الجنائية، وأعلنت الشرطة الهولندية بعد سلسلة من التحقيقات المفصلة، وبعد أن تم نسب هوية القتيل من قبل مرتضى صادقي الناشط اليساري المقيم بهولندا، والذي أفاد أنها لمحمد رضا كلاهي، المتهم بالقيام بالتفجير في حزب الجمهورية الإسلامية، أن القتيل هو رضا كلاهي الذي كان يعيش سراً في هولندا بأوراق مزورة منذ سنوات. وبرغم هذا لم تشِر أصابع الاتهام الرسمية من جانب مسؤولي الأمن في هولندا بأي اتهام لإيران.

في العام التالي تم اغتيال أحمد ملا نيسي أحد قادة جماعة الأحواز الانفصالية في مدينة لاهاي، وأجريت تحقيقات موسعة بشأن هذا الاغتيال أيضاً، والتزم المسؤولون الهولنديون مرة أخرى الصمت عن التحدث حول تفاصيل بشأن مخططي ومنفذي هذا الهجوم الإرهابي، رغم اتهام أصدقاء وأقارب القتيل لإيران بتنفيذ هذا الاغتيال. كانت الحادثة التالية مختلفة عما سبق، حيث اتهمت إيران هذه المرة في باريس بمحاولة القيام بتفجيرات خلال المؤتمر السنوي لمنظمة مجاهدي خلق، وتم تقديم أحد الدبلوماسيين الإيرانيين في فيينا والذي كان يفتقد وقت اعتقاله الحصانة الديبلوماسية بحسب تصريحات المسؤولين الفرنسيين، بوصفه أحد المخططين لهذا الهجوم الإرهابي. وقد أعلنت الدنمارك مؤخراً اعتقال نرويجي من أصل إيراني بتهمة محاولة اغتيال ناشط آخر ينتمي للجماعة الأحوازية. ووفقاً للسلطات الدنماركية فإن هذا الشخص المقبوض عليه من عناصر الاستخبارات الإيرانية، وقد ألقي القبض عليه أثناء تصوير فيلم؛ بغية تحديد الهدف.

وقد أثار هذا الموضوع ردود فعل شديدة من قبل مسؤولي الدنمارك والاتحاد الأوروبي أيضاً، لكن إيران وصفت ذلك بأنه مؤامرة للتأثير على العلاقات الإيرانية الأوروبية قبيل بداية المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية وكذلك تحت تأثير التردد الخبري لقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي. لكن هل حقاً لدى الجمهورية الإيرانية برنامج جديد للقضاء على معارضيها في الخارج؟ أم إن أجهزة استخبارات الدول المعارضة لها هي من تحاول تلفيق ملفات للجمهورية الإيرانية؟ كان اغتيال المعارضين السياسيين سواء في الداخل أو في الخارج خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات أحد البرامج الإيرانية المدونة والسرية للجمهورية الإسلامية، وقائمة الاغتيالات الأمنية التي تمت في الداخل والخارج لا تحتاج إلى شرح، وربما لو وجدت جذور أسباب الاغتيالات التي حدثت في الماضي بواسطة الجمهورية الإسلامية، لما كان صعباً إثبات فرضية قبول عودة تصفية المعارضين في خارج الحدود.

إن تصفية المعارضين السياسيين سواء في الداخل أو الخارج لها جذور مرتبطة بمسألة الأمن القومي للجمهورية الإيرانية، فقد كانت تصفية المعارضين هي إحدى الأدوات للحفاظ على الأمن القومي والدفاع عن النظام الحاكم في إيران في حقبة الثمانينيات والتسعينيات؛ وذلك بهدف الحد من إمكانية نفوذهم ونشاطهم داخلياً وخارجياً. وفي هاتين الحقبتين كانت المعارضة الخارجية تحظى بقدرات تنظيمية كثيرة في الخارج، ومن ذلك المنطلق كانت تعتبر أداة ضغط على الجمهورية الإيرانية على الصعيد الدولي، كما كانت دائماً علاقة النشطاء السياسيين في الخارج مع المعارضة في الداخل أحد هواجس السلطات الأمنية الإيرانية.

ولكن لم تكن هذه الهواجس والمضايقات هي السبب الوحيد لتصفية المعارضين من قبل أجهزة الأمن، حيث تؤكد المعلومات الجديدة أن العامل الرئيسي لبعض عمليات الاغتيال السياسي كانت مرهونة بالخلافات داخل تيارات الجمهورية الإيرانية. فقد كانت الجمهورية الإيرانية في حقبة الثمانينيات أشبه بمجموعة جزر من مؤسسات اتخاذ القرار الموازية التي تتخذ كل منها القرارات حسب مصالح جماعتها، وكانت بعض هذه الاغتيالات نتاج لهذه المنافسات بين المؤسسات. على الأقل تنطبق هذه الحقيقة على اغتيال عبدالرحمن قاسملو الذي تم اغتياله أثناء التفاوض مع الجمهورية الإيرانية.

زادت عصابة فلاحيان وسعيد إمامي المسؤولين بوزارة الاستخبارات بعد تصفية اليساريين من الجمهورية الإيرانية من وتيرة سرعة آلة الاغتيالات واستأنفوا مشروع التصفية الجسدية للمعارضين السياسيين تحديداً عبر القيام باغتيال کاظم سامی، شابور بختیار، کاظم رجوي وفي النهاية اغتيال المفكرين وأعضاء اتحاد الكتاب في الداخل. لكن ينفي بعض المسؤولين السياسيين الذين كانوا يتولون مناصب في الحكومة والنظام الإيراني في تلك الفترة علمه بهذه السياسات أو على الأقل عدم قدرتهم على منع تنفيذها، حيث كانت تنكر شخصيات مثل هاشمي رفسنجانی، میر حسین موسوی، عطاء الله مهاجرانی، غلام حسین کرباسجی، محمد خاتمی وغيرهم من الإصلاحيين الذين تولوا مناصب في حكومات حقبة الثمانينيات والتسعينيات في فترات مختلفة قبل الثالث والعشرين من شهر مايو عام 1988، معرفتهم بهذه الاغتيالات.

ويوجد هذا الاستدلال أيضاً وهو أن هذه الاغتيالات كانت في الأساس محاولة لمنع انضمام الإصلاحيين في الجمهورية الإيرانية إلى صف معارضي النظام، ولهذا سعى القطاع المتشدد في الجمهورية الإيرانية عبر هذه الاغتيالات؛ لمنع التقارب بين الإصلاحيين والمعارضين السياسيين. وكان المثال الواضح لهذا الاستدلال، سلسلة الاغتيالات في فترة رئاسة محمد خاتمي. وهي الاغتيالات التي قام بها عناصر وزارة الاستخبارات فترة حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، ولكن كما أوضح حسام الدين آشنا مستشار حسن روحاني وصهر دري نجف آبادي في حوار له عبر “تويتر” مع الصحفي مرتضى كاظميان فإن وزير الاستخبارات حينها (في عهد حكومة خاتمي) لم يكن على علم بعمليات القتل هذه! وعلى افتراض صحة ادعاءاته المذكورة، يمكن استنتاج أن الكثيرين ممن سحقتهم آلة الاغتيال بالجمهورية الإيرانية، كانوا ضحية الخلافات الداخلية للتيارات في داخل النظام الإيراني.

الآن يبدو أنه في حالة تشابه الظروف السياسية للجمهورية الإسلامية بعقدي الثمانينيات والتسعينيات، فإن آلة اغتيال المعارضين السياسيين سوف يتم تدشينها مرة أخرى عبر فرضيتين هما الحفاظ على الأمن القومي وكذلك التخلص من المنافسين الحزبيين. من ناحية، النظام قلق من نشاط المعارضين الذين زادوا من نشاطهم الإعلامي للإطاحة بالجمهورية الإيرانية، ومن ناحية أخرى يسعى الجناح المتشدد من خلال تنفيذ العمليات الإرهابية في أوروبا إلى إجبار أوروبا على تبني موقف أمريكا والخروج من اتفاق الاتفاق النووي حتى يهيئ المجال لسقوط حكومة روحاني. في هذه الأثناء، بالتأكيد خطر تداخل المصالح بين معارضي الاتفاق النووي في الداخل (الأصوليين المتشددين) وفي الخارج (السعودية وإسرائيل) سوف يمهد الطريق أكثر لآلة اغتيال المعارضين.

إن اغتيال المعارضين السياسيين في أوروبا مرة أخرى سيكلف الجمهورية الإيرانية تكاليف باهظة، وأفضى اغتيال صادقي شرفكندي وملف قضية مطعم ميكونوس في نهاية المطاف إلى إدانة علي فلاحيان وزير الاستخبارات في فترة حكومة الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني ورئيس الجمهورية في ذلك الوقت والمرشد الإيراني بصفتهم من أصدروا الأوامر لهذا الاغتيال. بعد حكم محكمة برلين قطعت دول الاتحاد الأوروبي علاقاتها السياسية والاقتصادية مع إيران. ورغم أن الأوضاع تغيرت مع مجيء حكومة خاتمي، لكن حكومة إيران تعهدت خلال مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي بعدم القيام بأي عمليات إرهابية في أوروبا، لكن إذا نقضت إيران عهدها مع أوروبا هذه المرة فما هو المصير الذي ينتظرها.

يبدو أن كل شيء قد ارتبط بالفعل بالاتفاق النووي ومصيره. وما يهم أوروبا في الظروف الراهنة هو التزام إيران بهذا الاتفاق ومن هذا المنطلق، فمن المحتمل حتى وإن كانت هذه التحركات الإرهابية الأخيرة المشكوك فيها مقبول نسبتها إلى الجمهورية الإيرانية، أن يتم التغاضي عنها. أوروبا تعرف أن حكومة روحاني في مأزق سياسي واقتصادي كبير من قبل المعارضين في الداخل والخارج بعد خروج أمريكا من الاتفاق النووي، وهم أيضاً عاجزون عن المساعدة في تحسين الأوضاع. ولهذا فإن تجاهل هذا العمليات يمكن أن يدعم محاولات حكومة روحاني للحفاظ على الاتفاق النووي.