فريق سعودي – ألماني يكشف هجرات بشرية من إفريقيا للجزيرة العربية قبل 800 ألف سنة

نشرت مجلة Nature Evolution and Ecology العالمية المتخصصة في دراسات العلوم الطبيعية أمس الاثنين 29 أكتوبر 2018م بحثًا علميًّا، قام به فريق “مشروع الجزيرة العربية الخضراء” الذي تنفذه الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بمشاركة جامعة الملك سعود وهيئة المساحة الجيولوجية. وتفصيلاً، تناول التقرير نتائج دراسات الفريق السعودي – الألماني للمتحجرات الحيوانية التي أظهرت طبيعة البيئة القديمة للجماعات البشرية في الجزيرة العربية خلال فترة العصر الرباعي قبل نحو 300 – 500 ألف سنة تقريبًا. وأشار التقرير إلى أنه على الرغم من الطبيعة الجافة للجزيرة العربية حاليًا إلا أن الدراسات الأثرية الحديثة أظهرت قيمتها الحضارية لفهم طبيعة انتشار الجماعات البشرية في العالم القديم؛ إذ سبق للفريق العلمي العثور على أقدم بقايا للإنسان في شمال الجزيرة العربية قبل نحو ٩٠ ألف سنة مضت (وهو ما أعلنت عنه الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في حينه)، بينما تشير الأدوات الحجرية إلى أقدمية الوجود البشري في المنطقة.

واستُخدم في الدراسة تحليل الكربون المستقر ونظائر الأكسجين لدراسة سن حيواني من موقع تل الغضا (في محافظة تيماء شمال السعودية)، الذي أرخ لمنتصف العصر الرباعي، إضافة للعثور على أدوات حجرية ومجموعة من العظام الحيوانية المتنوعة. وأشار التقرير إلى وجود بيئة غنية بالنباتات داخل الجزيرة العربية قبل نحو ٣٠٠-٥٠٠ ألف سنة مضت، وكذلك دلالات جفاف مشابهة لما هو عليه الحال في مناطق السافانا في شرق إفريقيا حاليًا. وذكر التقرير أن الباحثين يؤكدون أن ما أظهرته الاكتشافات الأثرية من معلومات حول البيئة القديمة والوجود البشري بالجزيرة العربية يشير إلى عدم مواجهة الجماعات البشرية أية صعوبات في التأقلم مع طبيعة المنطقة، كما أن العثور على بقايا حيوانية بالجزيرة العربية، التي تتشابه مع الحيوانات التي تنتمي إلى البيئات المدارية الإفريقية والصحراوية، يجعلنا نشير إلى احتمال حدوث هجرات بشرية خلال العصر الرباعي الوسيط الذي بدأ قبل نحو 800 ألف سنة مضت، أو حتى خلال العصر الرباعي المبكر الذي بدأ قبل نحو 2.6 مليون سنة مضت، إلى الجزيرة العربية قادمة من إفريقيا، ومنها انتقلت الجماعات البشرية إلى أنحاء قارتَيْ آسيا أوروبا.

وأكد الباحثون أن “مشروع الجزيرة العربية الخضراء” تمكَّن من خلال المسوحات المكثفة والتنقيبات المنظمة من فهم الظروف المناخية القديمة، وطبيعة البيئة السائدة في الجزيرة العربية، وذلك من خلال تحليل ودراسة البقايا الحيوانية المتحجرة بموقع تل الغضا الواقع في غربي صحراء النفود. وأظهرت تلك الدراسات وجود أنواع متعددة من الحيوانات، منها الفيل مستقيم النابين، وحيوان النو، والأسماك، والطيور؛ ما يؤكد كثافة الغطاء النباتي، وتوافر المياه بشكل دائم. ولفتت الدراسة إلى أن وجود السنوريات كبيرة الحجم، مثل النمر الأوروبي والضبع، دليل على أن صحراء النفود في السعودية كانت موطنًا لأنواع عدة من الحيوانات.

وقالت الدراسة إن تسلسل طبقات البحيرة في موقع طعس الغضاة مستقبلاً سوف يوضح الأحوال البيئية خلال فترة وجود الإنسان في الجزيرة العربية. واستعرض البحث دراسة النماذج الحاسوبية للبحيرات والأنهار القديمة باستعمال نظم المعلومات الجغرافية التي كشفت أن موقع طعس الغضاة لم يكن واحة منعزلة، وإنما يرتبط بسلسلة متصلة من البحيرات القديمة التي تشكلت في الفترات المطيرة. ومن جانبه، أكد الدكتور عبد الله بن محمد الشارخ، عضو هيئة التدريس بقسم الآثار في جامعة الملك سعود رئيس المشروع البحثي من الجانب السعودي، أن هذه الدراسة تسلط الضوء على جوانب مجهولة من التاريخ الحضاري والبيئي للمملكة العربية السعودية خلال عصور ما قبل التاريخ. مشيرًا إلى أن جهود الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، ودعمها الفريق العلمي، أسهما في الخروج بنتائج متميزة ومثمرة حول التاريخ الحضاري للجزيرة العربية، وانعكاس ذلك على فهمنا لتاريخ الإنسان ووجوده في منطقة العالم القديم.