معارضون نشؤوا وتلاشوا.. السعودية تجاهلت المسعري والفقيه.. و”كساب” يؤكد: “عارضتُ 20 عامًا ولم أُقتل”

طوال تاريخ السعودية الحديث خرج عليها معارضون يتمركزون بالخارج؛ فيتم توظيفهم للمنظمات المشبوهة تحت غطاءات حقوق الإنسان، يحملون شعارات براقة؛ فهي ليست بمعزل عن بقية الدول في كل زمان ومكان، يشذ عنها بعض مواطنيها؛ فقطر – مثلاً – التي تسخِّر ترسانتها الإعلامية لجمال خاشقجي، ويقدمونه كمعارض سعودي، تسمع أصوات معارضي سياستها التخريبية حتى من داخل الأسرة، ومطالبهم تمتد لتغيير حكم تميم بن حمد، خاصة عندما أشهرت خنجرها لتكمل بقية طعن الجسد الخليجي.

وبالعودة للوراء قليلاً، نجد ما سمي بـ”معارضة لندن” التي يتزعمها سعد الفقيه ومحمد المسعري وكساب العتيبي، الذين فروا للمنفى البريطاني عام 1996، وشكلوا جبهة خارجية صوب بلاد الحرمين التي احتضنتهم أول شبابهم، لكن رصاصهم يخطئ الهدف؛ فيزيد العدو تماسكًا؛ فحاولوا طوال السنوات الماضية إشاعة الفوضى ونشر الدمار، واستنفدوا كل الوسائل كالقنوات والإذاعات، وتبنتهم “الجزيرة”، وصدرت خطابهم المعادي للسعودية كخطاب سياسي معتدل، لكنه في جوهره لم يخلُ من العمالة والخيانة.

ولاحقًا حصل بينهم انشقاق وانفكاك؛ فسعى كلٌّ في جهته، وضاعت بورصتهم، وبارت تجارتهم، وكسدت سلعتهم وسط الأسواق السياسية، ولم تحاول “السعودية” في يوم إلحاق الضرر بهم، بالعكس؛ ساهمت في إرجاع “كساب العتيبي” قبل ثلاثة أعوام بعدما قضى 20 عامًا بالمنفى، واستقبلته، وها هو اليوم حُرًّا طليقًا، لم يمسسه سوء، وكتب اليوم مغردا: “لمروجي الكذب والوهم.. أنا عارضت 20 عامًا، قسوت على وطني، وأسأت لبعض رموزه، ولا يمكن مقارنة خطابي بخطاب خاشقجي. أدركت خطئي، وثمَّنت قدسية الوطن؛ فأعادني وطني لحضنه، واحتوتني قيادته، واعتذرتُ لكل من أخطأتُ في حقه، وعدتُ لوطني، ولم أُقتل. السعودية لا تغتال.. أنا أنموذجكم فاصمتوا”.

وعاملت السعودية أسرة أسامة بن لادن معاملة حسنة؛ فوالدته تقيم في جدة على الرغم مما قام به من تفجيرات داخلية وخارجية، واستقطب الشباب، ولوث فكرهم، وجندهم ضد بلدهم. والحال نفسها تنطبق على أرباب الفكر الضال؛ فهم يحملون أخطر الأفكار التي لا تعترف بحرمة إراقة الدم، ولا بحرمة إفساد الحرث والنسل؛ فقُبض على كثير منهم، وأُفرج عنهم. وعلى الرغم من خشونة معارضة هؤلاء وخطابهم الفوضوي المبني على التخريب، تعاملت معهم السعودية كالأب وابنه، مهما عصى عليك، وجنح عن الطريق، تعطف عليه، وتحاول استيعاب أفكاره بكل ما أُعطيت.. وإذا زلت قدمه تمسك بيديه. واليوم مع اختفاء “جمال خاشقجي” تروِّج صحف وقنوات معادية أن السعودية اختطفت جمال خاشقجي، وهو صاحب الكتابات الناعمة؛ فهو لا يسمَّى معارضًا بمعنى المعارضة، حتى في مقالاته بالواشنطن بوست كان يثني تارة وينتقد تارة كحال كل الكُتاب، خاصة في الملفات السياسية، لكن قطر وتركيا تحاولان تدثيره بثوب المعارضة لـ”حبكة السيناريو”.

والقيادة الجديدة ترحب بالآراء المتفقة أو المخالفة.. هذا ما ذكره ولي العهد نصًّا ردًّا على سؤال صحفية بلومبيرغ حول قلق البعض بقوله: “آمل أن يكون بإمكانك تشجيعهم. أنت تعملين لوكالة بلومبيرغ، سيتحدثون إليك، ولن يصيبهم أذى، ستكون قصة جيدة لبلومبيرغ لمهاجمتي؛ لذا يمكنك تشجيعهم بهذه الطريقة”. فتركيا التي تروِّج بأن “خاشقجي” داخل القنصلية لم تكن يومًا حملاً وديعًا، وشوارعها شاهدة على جملة اغتيالات، أبطالها متعددو الجنسيات، وتمت تصفيتهم بطرق بشعة رميًا بالرصاص، وفي وضح النهار، فهل يُستغرب اختفاء “الصحفي السعودي”؟

“جمال” تركيا وسحرها الطبيعي لا يدس وراءه غير بشاعة التنكيل بالمعارضين؛ فالذي اعتقل أكثر من 100 ألف مواطن في أعقاب انقلاب 2016، بينهم صحفيون، حُكم على مجموعة منهم بالسجن مدى الحياة، حتى دخلت تركيا الموسوعات العالمية في قمع الصحافة وإسكاتها، وباتت الأزمات التي تعصف بـ”أردوغان” كثيرة؛ فعلاوة على أزمة نزيف الليرة التركية الذي لم يتوقف، لديه أزمة مع السلطة الرابعة؛ فهو يمارس تقريعها، والمختفي جمال خاشقجي أحد أبناء تلك السلطة الرابعة، وابن السعودية.. فلا مزايدة على تعامل “الأب مع أبنائه” بحسب صحيفة سبق.