“اشكروا صمت السعودية”.. تغريدة ألجمت مثيري الفتن والبلبلة.. وهذا ما قدَّمته المملكة للحجيج

امتلأ الفضاء الإلكتروني ووسائل الإعلام في الآونة الأخيرة بالتقارير المشبوهة، والتغريدات الخبيثة، والأقاويل الباطلة، التي حاولت النَّيل من نجاح السعودية في تنظيم الحج لعام 1439هـ، وإثارة البلبلة، وحثو التراب على الإنجازات التي تحققت في عهد الدولة السعودية، والجهود التي بذلها حكام هذه الدولة في خدمة الحجيج طوال تاريخها ومنذ نشأتها.

ولم تألُ السعودية جهدًا يومًا في العمل على خدمة الحجاج والمعتمرين، والاضطلاع بكل ما يسهل عليهم أداء مناسكهم، وذلك من منطلق ما حباها الله من مكانة ومسؤولية بوجود الحرمين على أرضها؛ فأنفقت على الإنشاءات والتوسعات العملاقة في المسجدين الحرام والنبوي، وبذلت الأموال والجهود في سبيل القيام بالمشاريع الضخمة، مثل: جسر الجمرات، وقطار الحرمين، وقطار المشاعر.. وغيرها الكثير مما قدمته وما زالت تقدمه، ولم تنتظر مقابلاً ماديًّا أو معنويًّا.

وجاءت تغريدة أحد المغردين العراقيين، ويدعى “علي العراقي”، التي أعاد المتابعون تغريدها آلاف المرات على مدار الأيام الماضية، ملجمة لكل من تطاول على السعودية، وقلل من جهودها التي لا ينكرها إلا جاحد، فكتب “رغم عدم وجود عائدات للحج، ماذا لو قالت السعودية: الحرمان ملك المسلمين، وعليهم دفع مليارات صرفت لتوسعته، ولجسر الجمرات، وكسوة سنوية، وقص جبال، وأنفاق وقطارات وأبراج وطرق ورواتب ومستشفيات ووو… خصصت منذ زمن المؤسس إلى الآن؟ فهل يستطيع الإخونجية وأنظمتهم المديونة دفعها؟.. اشكروا صمت السعودية”. ونستعرض خلال السطور القادمة نبذات من بعض المشاريع العملاقة التي أخذت السعودية على عاتقها تنفيذها لعمارة الحرمين، وخدمة الحجاج والمعتمرين.

توسعة الحرم المكي

كان الحرم المكي هو الشغل الشاغل لحكام السعودية قديمًا وحديثًا؛ فمنذ نشأة الدولة السعودية الثالثة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود – طيب الله ثراه – وهناك اهتمام كبير ومتزايد وأولوية واضحة بعمارته وتوسعته. ومرت توسعة الحرم بمراحل ثلاث: ففي عهد المؤسس تمت صيانة المسجد وإصلاحه بالكامل عام 1344هـ، ثم ترميم الأسقف وطلاء الجدران والأعمدة 1346هـ، وتم تجديد مصابيح الإنارة وزيادتها إلى ألف مصباح عام 1347 هـ، وإنارة المسجد الحرام بالكهرباء وتنصيب المراوح الكهربائية عام 1373 هـ.

وجاء الملك سعود بن عبدالعزيز ليبدأ في أعمال التوسعة الأولى التي بدأت عام 1375 هـ، واستمرت نحو 10 سنوات، وشملت فتح شارع خلف الصفا، وإعادة تصميم أرض المسعى، وبناء طابقين للمسعى، وبناء سقيا زمزم. وكذلك شهد عهد الملك سعود توسعة المطاف، وزيادة قبو زمزم بصنابير المياه، واستبدال الشمعدانات الست بحجر إسماعيل بخمس نحاسية، تضاء بالكهرباء. وكانت التوسعة الثانية للمطاف في عهد الملك خالد عام 1399 هـ؛ ليصبح سعة استيعابه 28 ألف طائف بمقدار الضعف، وتبليط أرض المطاف بالكامل بالرخام الأبيض.

وفي عهد الملك فهد بن عبدالعزيز تم وضع حجر الأساس لمشروع “أكبر توسعة للمسجد الحرام منذ 14 قرنًا”، وهي التوسعة الثانية للمسجد، وبدأت عام 1409 هـ، وشملت إضافة مساحة جديدة إلى الناحية الغربية للمسجد، وإضافة مبنى جديد إلى الحرم لاستقبال الزيادات في الحج ومواسم العمرة. وتضمنت أعمال التوسعة تجهيز الساحات الخارجية لاستيعاب المصلين، ووصلت مساحة المسجد حينها لـ356 ألف متر مربع. أما في عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز فقد جرى اعتماد توسيع الحرم المكي على ثلاث مراحل، تشمل اتساع ساحات الحرم لمليونَي مُصَلٍّ، وتوسعة صحن المطاف، والساحات الخارجية، ومنطقة الخدمات والتكييف ومحطات الكهرباء والمياه.

وقد دشن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- التوسعة الثالثة للمسجد الحرام التي تقدر تكلفتها بمليارات الدولارات، وتتألف من خمسة مشروعات، تشمل مبنى التوسعة والساحات والأنفاق ومبنى الخدمات، والطريق الدائري الأول.. ويتضمن المشروع إنشاء 78 بابًا أوتوماتيكيًّا، يتم إغلاقها بالتحكم عن بُعد، وتحيط بالحرم في الدور الأرضي فقط. وتبلغ تكلفة مشروع التوسعة الثالثة نحو 100 مليار ريال، ومن المتوقع الانتهاء منه بحلول عام 2021م.

توسعة الحرم المدني

الجهود السعودية الكبيرة شملت كذلك المسجد النبوي على 3 مراحل أيضًا؛ إذ أجرى المؤسس التوسعة الأولى للحرم، وفي عام 1370هـ بدأت أعمال الهدم للمباني المجاورة للمسجد، وفي سنة 1374هـ احتُفل بوضع حجر الأساس للمشروع بحضور ممثلين عن عدد من الدول الإسلامية، وفي سنة 1375هـ انتهت العمارة والتوسعة في عهد الملك سعود، ونتج من هذه التوسعة أن أضيف إلى مسطح المسجد (6033) مترًا مربعًا، وأُقيمت التوسعة كمبنى هيكلي من الخرسانة المسلحة، وهي عبارة عن أعمدة تحمل عقودًا مدببة، وجُعل للمسجد صحنان مفصولان برواق بدلاً من واحد، وتمت تغطية أرضية المسجد بالرخام، وأصبح للمسجد النبوي عشرة أبواب.

وفي عهد الملك فيصل استمرت أعمال التوسعات، وكانت هذه التوسعة من الجهة الغربية للمسجد النبوي الشريف فقط. وتمثلت التوسعة التي جرت سنة 1395هـ بإضافة (35 ألف متر مربع) إلى أرض المسجد. وفي عهد الملك فهد تم وضع حجر الأساس لمشروع التوسعة الثانية. وتضمن المشروع المسجد وعمارته، وإضافة مبنى جديد بجانب مبنى المسجد الحالي، يحيط ويتصل به من الشمال والشرق والغرب بمساحة قدرها (82 ألف متر مربع)، تستوعب (167 ألف مُصَلٍّ). كما أن سطح التوسعة تمت تغطيته بالرخام، وتقدر مساحته بـ (67 ألف متر مربع)؛ ليستوعب 90 ألف مُصَلٍّ؛ وبذلك يكون استيعاب المسجد النبوي الشريف بعد التوسعة أكثر من (257 ألف مُصَلٍّ)، ضمن مساحة إجمالية تبلغ (165.500 متر مربع؛ ما جعل الطاقة الاستيعابية لكامل المسجد والساحات المحيطة به تزيد على (650 ألف مُصَلٍّ)؛ لتصل إلى مليون مُصَلٍّ في أوقات الذروة.

وفي عهد الملك عبدالله تم تدشين أكبر توسعة للمسجد النبوي الشريف على مدى التاريخ (التوسعة الثالثة)، إلى جانب مشروع مظلات المسجد النبوي التي أمر بها، وهي من المشاريع العملاقة. وتم وضع حجر الأساس لتوسعة المسجد النبوي في عام 1433هـ؛ لتصل طاقته الاستيعابية بموجبها إلى مليونَيْ مُصَلٍّ. ومن المرجح الانتهاء من المشروع خلال السنوات القليلة القادمة.

جسر الجمرات

يُعد “جسر الجمرات” أحد المشاريع العملاقة التي صُممت وفق أحدث الطرازات العمرانية، ونالت العديد من الجوائز العالمية. فمع تضاعف أعداد الحجاج، وحدوث حوادث تدافع مؤسفة، أدت إلى وفاة البعض، وإصابتهم، أجرت السعودية توسعة تاريخية لمنشأة الجمرات، شملت إعادة بناء الجسر في عام 2006م؛ ليصل طوله إلى 95 مترًا، وبعرض 80 مترًا، وتعديل شكل الأحواض من الدائري إلى البيضاوي.

ويتكون الجسر الجديد من خمسة طوابق، تتوافر بها جميع الخدمات المساندة لراحة ضيوف الرحمن، بما في ذلك نفق أرضي لنقل الحجاج؛ ليفصل حركة المركبات عن المشاة. ويبلغ ارتفاع الدور الواحد 12 مترًا؛ لتصل طاقته الاستيعابية إلى 300 ألف حاج في الساعة. ويشتمل المشروع على ثلاثة أنفاق، وأعمال إنشائية، مع إمكانية التطوير المستقبلي ليستوعب 5 ملايين حاج. وبلغت تكلفته نحو 4.2 مليار ريال.

قطار المشاعر

ظلت حركة المرور تمثل عبئًا كبيرًا على السعودية كلما حل موسم الحج وتجمّع ملايين الحجاج في البقاع المقدسة. وكانت الرحلة من عرفات إلى مزدلفة تستغرق بالحافلة 5 ساعات على الأقل إلا أنه بعد تنفيذ مشروع قطار المشاعر المقدسة المذهل أصبحت الرحلة لا تستغرق أكثر من 7 دقائق فقط! استغرق المشروع الهائل نحو 3 سنوات من التصميم إلى التشغيل، بينما استغرقت مدة البناء الفعلية 16 شهرًا فقط، وبلغت تكلفته 6.7 مليار ريال تقريبًا. وهو من تصميم الشركة الصينية لإنشاء السكك الحديدية، وبدأ رحلته الأولى في عام 2010م. يشتمل المشروع على تسع محطات مرتفعة عن الأرض بطول 300 متر لكل محطة، ويتم الوصول إلى أرصفة القطار عن طريق منحدرات ومصاعد وسلالم عادية وكهربائية، وبوابات أوتوماتيكية، تفصل بين القطار ومناطق التحميل ومناطق الانتظار.

ويبدأ مساره من محطة الجمرات مارًّا بمشعر منى، ثم إلى مزدلفة، ومنها إلى عرفات، بسرعة تتراوح بين 80-120 كم في الساعة، ويسير دون سائق بواسطة أنظمة آلية للتشغيل يتم التحكم بها من عن طريق مركز التشغيل والمراقبة. استقل القطار في موسم الحج الأخير 1439هـ أكثر من مليونَي حاج، وتبلغ نسبة السعوديين المشاركين في منظومة تشغيله نحو 80 %.

قطار الحرمين

مشروع آخر ضخم، تقدمه السعودية إلى العالم الإسلامي، هو قطار الحرمين السريع الكهربائي من تنفيذ شركة “كونسورتيوم” الإسبانية، ويربط بين منطقتَي مكة المكرمة والمدينة المنورة مرورًا بمدينة جدة بطول 480 كم تقريبًا، وبطاقة استيعابية تصل إلى نحو 166 ألف راكب يوميًّا، و60 مليون راكب سنويًّا، وبتكلفة بلغت نحو 27 مليار ريال. سيربط القطار كلاً من جدة ومكة المكرمة بخط مزدوج بطول 78 كيلومترًا؛ وهو ما سيختصر المسافة بين المدينتين إلى أقل من نصف ساعة، في حين يبلغ طول الخط الذي سيربط بين جدة والمدينة المنورة 410 كيلومترات، وسيختصر المسافة إلى نحو ساعتين ونصف الساعة. وسيكون للمشروع دور حيوي في عمليات نقل الحجاج والمعتمرين في المشاعر المقدسة، خاصة في مجال التخفيف من الاختناقات المرورية.

من المتوقع البدء في التشغيل التجاري للقطار خلال الشهور القليلة القادمة؛ وذلك بعد نجاح الرحلات التجريبية. وما زالت السعودية مستمرة في العطاء، وبذل المال والجهد من أجل خدمة حجاج بيت الله الحرام، وزوار المسجد النبوي الشريف، غير منتظرة ثناء ولا شكرًا.. فاشكروا صمتها وعطاءها.