لا أحد هنا ليساعدني؟.. معاناة حقيقية تهدد “كوكب اليابان”

“انتظرت طويلًا كي أتلقى أي شكل من أشكال المساعدة لكن أحدًا لم يكن حولي ليقدمها.. الأمر مزعج فعلًا” هكذا تروي سيدة يابانية تجربتها في متجر كبير في بلادها. وعلى الرغم من أن الأمر يبدو عاديًا قياسًا بمعايير دول أخرى، إلا أنه هام في اليابان لسببين وفقًا لما تؤكده مجلة “إيكونوميست” البريطانية في تقرير لها.

لمسة إنسانية مفقودة!!

السبب الأول أن اليابان تقدم نفسها باعتبارها معيار خدمة العملاء الجيدة، والثانية أنها تعكس ظاهرة سلبية متعلقة بالعمالة في اليابان. ففي دول يعتاد سائقو التاكسي فيها على لبس القفازات البيضاء، وكثيرًا ما ينزلون من السيارة للانحناء تحية للراكب لا شك أن الأمر يشكل أمرًا غريبًا ألا تجد مساعدة في متجر. فبعد أن كان اليابانيون يحظون بخدمات استثنائية من حيث السرعة والكفاءة يبدو أنهم سيضطرون للمعاناة مع بقية العالم من نقص جودة الخدمات المقدمة لهم، بعد أن كان الكثيرون يعتبرون اليابان دولة من خارج كوكب الأرض.

فـ”اللمسة الإنسانية” أصبحت نادرة، حيث إن الشركات تعتمد على الماكينات حتى في المتاجر الكبرى بل وبعض المطاعم أيضًا تستخدم نظامًا إلكترونيا لا يحوي مكانًا للتعامل مع البشر. بل إن عملاق التكنولوجيا “راكوتن” تدرس استخدام الطائرات بدون طيار من أجل إيصال السلع بدلًا من عمال التوصيل التقليديين. وتستخدم الشركات نظامًا للذكاء الاصطناعي في أغلب الأحيان للرد على استفسارات عملائها بدلًا من استخدام عملاء (آدميين) كما هو الحال في باقي البلاد. وقلصت العديد من المطاعم أوقات أعمالها بشدة، حتى أن “سكايلارك” أكبر مطعم ياباني قلص عدد المطاعم التي تعمل 24 ساعة إلى 400 بعد أن كانت 1000.

1.59 وظيفة لكل باحث عن عمل!!

ويرجع كل ما سبق إلى حقيقة واحدة: اليابان تعاني من ارتفاع كبير في تكلفة العمالة بها بسبب تقلص عدد سكانها ومعاناتها ظاهرة المجتمع الشائخ. فبينما تضطر بعض الأعمال لرفع أجور العاملين فيها للمحافظة عليهم، لا تجد بعض الشركات والمتاجر عمالًا لتوظيفهم إطلاقًا. وبلغت الفجوة بين عدد الوظائف المتاحة وعدد طالبي الوظائف مستوى قياسيا (زيادة عدد الوظائف عن الطالبين) العام الماضي. وتشير أحدث الدراسات اليابانية إلى أن هناك 1.59 وظيفة لكل باحث عن العمل، بما يعكس عجز الشركات عن توفير ما تحتاجه من عمالة بشكل كبير.

وعلى الرغم من شغل العديد من الطلاب الصينيين لبعض الوظائف اليدوية (مثل عمال التوصيل والطباخين) إلا أن عددهم لا يكفي لسد تلك الفجوة. ويزداد الأمر تأزمًا مع معرفة أن اقتصاد الخدمات يمثل ثلاثة أرباع حجم الناتج القومي الياباني، بما يؤشر لأهمية توافر العمالة لهذا القطاع. ويتخوف الكثير من اليابانيين من أن الاستمرار في هذا المنحى من شأنه أن يدمر الثقافة اليابانية التقليدية في التعامل والخدمات. فالجيل الجديد لم يجد أمامه في معظم الأماكن إلا “الروبوت” ليتعامل معه ولم يجد التعامل بالاحترام والأدب الجم الذي اعتاده اليابانيون. كما يشكك كثيرون في اليابان في مدى إمكانية تأقلم الجيل الأكبر سنًا مع التغييرات الكبيرة في الخدمات والتي تجعل المعاملات في أغلبها الأعم إلكترونية.

رغبات الناس تقود التغيير؟!

ويرى مدير إحدى سلاسل المطاعم اليابانية الكبيرة أن التغييرات في شكل الخدمات مدفوعة بالاستجابة لرغبات الناس. “قديمًا كان اصطحاب النادل لرواد المطعم إلى طاولتهم أمرًا مستحبًا، أما الآن فالغالبية يعترضون ويقولون: بوسعي الجلوس وحدي، فلماذا أحتفظ بالنادل إذا لم يكن يقود الشخص لمائدته”.. يضيف المدير. وعلى الرغم من ذلك يرى البعض في اليابان أنهم بمثابة “البيت الأول” لـ”الروبوت” لذا فإنه سيكون بوسعهم أن يتأقلموا مع وجوده في حياتهم أكثر من غيرهم. ويقول شاب ياباني (31 عامًا) “على الناس أن تتقبل التغيير، فمعاملة التغيير على أنه أمر سيئ باستمرار ليس من الحكمة”. وتصر الشركات اليابانية على أن الأمر المهم الذي تحرص عليه هو تجنب إضاعة وقت عملائها، لأنها تعلم أنه مهما حدث “وقت الياباني فوق كل اعتبار”.

 للإشتراك في واتساب مزمز، ارسل كلمة "إشتراك" إلى الرقم 00966544160917
 للإشتراك في قناة مزمز على تيليقرام، اضغط هنـا