‏بعد 40 عاماً في المسرح والإذاعة والتلفزيون.. فنانة إماراتية‬⁩ تعتزل بسبب التهميش والازدراء

«قررتُ الاعتزال، وهذا الحوار أخص به جمهوري فحسب، دون أي اعتبارات أخرى..»، بهذا القرار الصادم اختارت الفنانة الإماراتية، سميرة أحمد، أن تودع جمهورها في هذا الحوار، وارتأت به النأي عن المقدمات التقليدية، وعبارات التبرير التي مهما كانت ستبدو بالتأكيد باهتة مقارنة بهذه الخطوة غير المتوقعة، التي تفاجئ بها الفنانة اليوم جمهورها داخل الإمارات وخارجها، فيفيض سيل الأسئلة وعلامات الاستفهام التي ستشكل محور هذا الحوار «الدراماتيكي» المحمل بوجع صاحبته، وجرأتها المعهودة في وصف الواقع، والبوح بما يعتمل في الخاطر من شجن تنطق به حال الدراما المحلية ومآزقها التي لا تتراءى لها نهاية.

قرار «اضطراري»

لربما كان هذا التوصيف هو الأقرب اليوم إلى حالة الفنانة الإماراتية سميرة أحمد، صاحبة التجربة الفنية المتنوعة والثرية، سواء على خشبة «أبوالفنون» أو وراء الشاشة الصغيرة، تجربة تعدت الـ40 عاماً، كرست خلالها ألمع صور الفنانة الملتزمة والمخلصة لفنها، فاستحقت عن جدارة محبة واحترام جمهورها الذي تابع باهتمام مسيرتها الفنية الحافلة، وكان شاهداً على نجاحاتها المتوالية، سواء على الصعيد المحلي أو العربي، قبل المضي في قرار «اعتزال مهنة الفن» الذي وجدت نفسها مرغمة على اتخاذه، وكشف بعض ملابساته وتفاصيله المتعلقة بما واجهته الفنانة من عراقيل وما عاشته من إقصاء في السنوات الأخيرة منعاها من مواصلة مشوار الفن.
«تعبتُ فعلاً من تجاهل المؤسسات الإعلامية لمجمل ما أقدمه من أعمال درامية وجهد مضنٍ لإعلاء راية الفنان الإماراتي، بعد تجربتي الناجحة التي يعلمها الجميع في هذا المجال، وصوتي الذي لم يهدأ في الدفاع عن مكاسب الفن والفنانين في الدولة، ولكن منذ ما يزيد على سبعة أعوام وأنا أقابل بالرفض نفسه وذرائع التأجيل ومظاهر الازدراء والتهميش نفسها التي تنجح كل مرة في إقصائي عن عجلة الإنتاج، من دون أي تبريرات مقنعة، أو حتى شرح مفصل لأسباب الرفض والتجاهل والتأجيل، التي كنت أرجو أن تتعلق ببنية النص الدرامي الذي أطرحه»، وتتابع الفنانة الإماراتية «قد لا يعلم الجمهور أن رواية (عيناك يا حمدة) للكاتبة الإماراتية، آمنة المنصوري مازالت إلى يومنا هذا حبيسة الأدراج، وأنني بعد مبادرتي بتكليف الكاتب، راشد الجودر، بصياغة هذا العمل تلفزيونياً، لم أقدر إلى اليوم على دفع المستحقات المتعلقة بمجهوده، لعدم رغبة أي جهة في تبني إنتاج هذا العمل الأدبي الإماراتي، في الوقت الذي تدافع هذه الجهات بضراوة عن تبني وتقديم أعمال درامية متعددة (الاتجاهات) و(الموضوعات)، على الرغم من (أسئلة الجودة) و(المستوى) التي تحوم حول هذه الخيارات».


ورداً على سؤال عن المبرر الذي تقدمه المؤسسات الإعلامية المحلية لتأجيل تبني بعض أعمال الفنانة الإماراتية، سميرة أحمد، الإنتاجية تقول «لا يوجد سبب مباشر، فالحجة ترتبط دوماً بمنطق الاكتفاء الذي سرعان ما تحققه هذه المؤسسات من نصيب الأعمال الإماراتية في كل عام، في حين أننا نفاجأ لاحقاً بعمل إماراتي واحد أو عملين يجدان طريقهما إلى الشاشة الفضية خلال شهر رمضان، مقابل مد كبير من الأعمال الخليجية والعربية التي تستحوذ على نصيب الأسد من شاشاتنا الوطنية»، في المقابل تستنكر أحمد فكرة غياب استراتيجية فنية واضحة داخل هذه المؤسسات ترعى الأفكار الإبداعية وتتبنى «المنتج الفني المحلي وأصحابه»، وذلك عبر وضع أطر إدارية متخصصة تتمتع بصلاحية تقييم الأعمال واختيار ما يتماشى منها مع مقياس الجودة والتنوع، لافتة «أحترم جميع وجهات النظر، لكن غياب لجان قراءة متخصصة في هذه المؤسسات، تتولى تدقيق وتقييم النصوص المقدمة، وليس فقط الاكتفاء بالاطلاع على ملخصات بعض الأعمال، أو حلقاتها الخمس الأولى، وتجاهل بقية الحلقات والأحداث والتفاصيل المكتوبة على الورق، شيء لا يمكن أن يقابل صراحة إلا بالرفض القاطع».

رؤية مغايرة

شفافية الفنانة سميرة أحمد وصراحتها في طرح مختلف القضايا، وشكواها من توقف نشاطها الإنتاجي بعد خمسة أعمال درامية ناجحة عرض أغلبها على شاشة قناة «سما دبي»، تنسحب أيضاً على قضية غيابها الملحوظ عن الوسط الفني الإماراتي، الذي أوكلته الفنانة إلى تجاهلها المتعمد اليوم، ورفض دعوتها للمشاركة كممثلة في الكثير من الأعمال الإماراتية على حد تعبيرها، وذلك بعد تصديها الناجح لتقديم رؤية درامية جديدة، خاضتها أحمد عبر عدد من المسلسلات، أبرزها «وجه آخر»، «نص درزن»، «الغني والبخيل»، «بنات شما»، و«أحلام سعيد»، على مدار خمسة أعوام قدمت خلالها للساحة كوكبة من الوجوه الشابة في مجال التمثيل والتأليف التلفزيوني، وعززت فيها فلسفتها الخاصة للإنتاج الدرامي، لتعترف اليوم بأنها ظلت ترى الإنتاج طوال تلك الفترة بعيون الفنانة وليس بموازين الربح وحسابات الخسارة، مبررة ذلك بالقول «كنت أصاب دوماً بالحرج من مجادلة فنان في أجره، لأنني كنت مقتنعة بأننا الأقل أجراً على مستوى الخليج العربي، وهذا أمر مؤسف للغاية، ورغم ما يتمتع به الفنان الإماراتي من سمعة فنية مميزة، يصر البعض على قلة حيلته وعجزه عن تسويق العمل الفني من دون نجوم خليجيين من الصف الأول»، وتؤكد أحمد «من يقُل إن الأعمال الدرامية الإماراتية لا تسوق، لم يتابع بالتأكيد مسلسل (حاير طاير) أو غيره من الأعمال الناجحة التي ذاع صيتها خليجياً وعربياً، كما لم يتعرف إلى تفاصيل المسيرة الفنية الطويلة والجهود المضنية التي بذلتها ثلة من أبرز رواد الفن في الإمارات قبل الشهرة وبعد سنوات طويلة من العمل المسرحي الشاق وصولاً إلى الشاشة الفضية».

عقبات مخيفة

لم تقتصر سميرة أحمد في حديثها على طرح إشكاليات وعوائق الإنتاج التلفزيوني وابتعاد المؤسسات الإعلامية المحلية عن دعم الفنان الإماراتي، سواء في تجارب الإنتاج أو التمثيل، بل تصف كذلك حالة الازدراء الفاضح التي تطال المبدعين الإماراتيين قائلة «من المعيب أن نصل إلى هذا المستوى من التجاهل واللامبالاة اللذين يكرسهما اليوم مسؤولون داخل مؤسسات إماراتية، ممن لا قدرة لديهم على الابتكار والإبداع، وكأنهم خلقوا لتنفيذ الأوامر فحسب»، وتتابع «من المخجل أن يتحدث بعض المديرين عن رغبتهم في تقديم عمل إماراتي خفيف ورخيص، كما لا أفهم معنى تقديم عمل إماراتي بهذه الصيغة التي تفتقر إلى أدنى شروط المهنية والمستوى، زد على ذلك معضلة استبعاد النجوم الكبار من الساحة الدرامية المحلية واستبدالهم بمذيعات وفاشينيستات، وتقديمهن كنجمات جديدات عبر ضرب من الاستخفاف والاستهانة بعقول الناس، وطرح نوعية من الأعمال الفنية تسيء للدراما الإماراتية ولخصوصية المجتمع الإماراتي».