تقرير أمريكي معروض على ترامب يفضح قطر.. من تدشين “الجزيرة” إلى دعم الإرهاب

“سري للغاية”.. رافقت تلك الصفة أحدث التقارير التي اطلع عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول ازدواجية التعاطي القطري مع دول الغرب، لاسيما الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، والتنظيمات الإرهابية وفي طليعتها “الإخوان المسلمين” من الجهة المضادة. وفيما وصف بالتحول المثير حيال قطر وأميرها، رأت دوائر سياسية في البيت الأبيض أنّ هذا التقرير يضع السياسة الأمريكية أمام خيارين في التعامل مع القطريين: إما تخلّي تميم بن حمد عن الحُكم، أو عزوف الدوحة عن تمويل الإرهاب، وقطع علاقتها المتشعبة مع إيران.

وذكرت صحيفة “نيويوركر” الأمريكية، أنَّ ترامب، تلقى تقارير بهذا الخصوص مؤخرًا، وأنه اكتشف من خلالها مدى الازدواجية السياسية والأمنية، وكذلك الاقتصادية، التي تمارسها الدوحة. وقالت الصحيفة: “وفقًا لهذه التقارير، تبنّت قطر تلك السياسة في الفترة التي سبقت وتلت ما يعرف بـ”الربيع” العربي”، وأن إدارة (الرئيس السابق باراك) أوباما غضت الطرف عن الممارسات القطرية، وبوقها الإعلامي “الجزيرة”، مقابل رشاوى مباشرة حصلت عليها أسرة كلينتون، من بينها شيك بقيمة 6 ملايين دولار لصندوق كلينتون، يحمل توقيع أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني، بالإضافة إلى شيك آخر بمليون دولار لكلينتون نفسه”.

6 ملايين دولار

تفصيلًا تشير التقارير إلى أنه خلال تولي هيلاري كلينتون حقيبة الخارجية الأمريكية، منحت الدوحة 6 ملايين دولار لصندوق كلينتون- أسماها القطريون حينئذ مساعدات– وفي عام 2011، وتزامنًا مع هبوب عواصف ما يعرف بـ”الربيع العربي”، استقل أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني طائرته الخاصة، وسافر إلى نيويورك.  وكان غير المعلن من الرحلة، حضور حفل عيد الميلاد الـ65 للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ما حدا بوزيرة الخارجية الأمريكية إلى الصمت على تمويل الموقعين على شيكات الهدايا للإرهاب.

وتكشف التقارير أنّ القطريين منحوا الإخوان في مصر، والميليشيات الجهادية في ليبيا، وعناصر المعارضة الإسلامية في البلدين أموالًا طائلة بشكل مباشر وغير مباشر، أفضت جميعها إلى الإطاحة بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، ونظيره الليبي معمر القذافي، وكما ساهم بوق الإعلام القطري “الجزيرة” بدرجة كبيرة في الإطاحة بالنظامين العربيين. لاحقًا أعطت الدوحة ضوءًا أخضر للقناة ذاتها للعمل على زعزعة استقرار الأنظمة الخليجية، وكذلك نظام السيسي في مصر. وقالت التقارير الأمريكية: “تحرص قطر على توطيد علاقاتها بإيران ضد جيرانها من جهة، وضد جامعة الدول العربية من جهة أخرى”، مضيفة أنه في أعقاب اتهامات الدول العربية لإيران بتمويل الارهاب خلال مؤتمر الرياض الذي حضره ترامب، أسرع أمير قطر تميم بن حمد إلى قصره، وأجرى اتصالًا هاتفيًا بنظيره الإيراني( حسن) روحاني، أكّد فيه دفاعه المستميت عن الدولة الفارسية، خلال أعمال المؤتمر.

أدلة تمويل الإرهاب

وبشأن تمويل قطر للإرهابيين، استندت التقارير إلى الوثائق المسربة من الخارجية الأمريكية عام 2009، وجاء فيها أنَّ قطر تلعب دورًا قياديًا في تمويل الإرهاب الدولي؛ إذ استعرضت الوثائق بالتفصيل علاقة القطريين المتشعبة بقادة التنظيمات الإرهابية في مختلف دول العالم. ومن خلال البوق المحرض” الجزيرة”، التي أسستها الدوحة عام 1996، حرض النظام القطري وموَّل ومنح غطاءً سياسيًا لكافة المحافل الإرهابية في مختلف دول العالم. لكن التقارير تحذّر في الوقت نفسه من الاستهانة بعمليات القطريين، لاسيما أنهم يمارسونها منذ عشرات السنين، فمن جهة يستخرجون من خزائنهم مليارات الدولارات للإرهابيين، ويستثمرون في المقابل مليارات أخرى في الدول الغربية عبر شراء كميات ضخمة من الأسلحة، لاستقطاب وترويض تلك الدول، وضمان مواقفها السياسة والعسكرية لصالح الدوحة.

وتدليلًا على ذلك، قالت التقارير إنه في تسعينيات القرن الماضي، وهو التوقيت الذي أطلقت فيه الدوحة قناة “الجزيرة”، ومنحت مساعدات مالية ولجوءًا سياسيًا لقيادات إرهابية معروفة، خصص النظام القطري ما يربو على مليار دولار لتدشين قاعدة جوية خارج الدوحة (قاعدة العيديد). ومنذ 2003، تستغل الولايات المتحدة تلك القاعدة مقرًا للقيادة المركزية للجيش الأمريكي؛ إذ جرى التحكم والسيطرة في عمليات الجيش الأمريكي، سواء تلك التي جرت في العراق أو أفغانستان، أو في منطقة الشرق الأوسط من القاعدة ذاتها. واعتبرت التقارير أنَّ ارتباط الجيش الأمريكي بقطر، أدّى إلى إعلان وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” غير ذي مرة، أنَّ العمليات التي تجريها الولايات المتحدة في القاعدة مستمرة، ويتحمل وزير الدفاع جيمس ماتيس، وعناصر عسكرية مقربة منه مهمة التعاطي مع القطريين إزاء ذلك.

تمويل الإخوان

لشراء مواقف الإدارة الأمريكية السابقة، وضمان تعزيزها لتنظيم الإخوان والإرهابيين، موَّلت قطر العديد من المشروعات الأكاديمية الأمريكية في الدوحة، وفي حين اعتبرت قطر ذلك جزءًا من “مصيدة العسل” العسكرية لواشنطن، دخلت على الخط مؤسسات أكاديمية بريطانية وكندية، حرصت الدوحة على استقطابها، وتمويل نشاطها في الدوحة. في عام 2014، تكشفت معلومات أوردتها التقارير في صفحاتها، تؤكد أن قطر هي المموِّل الأكبر لمؤسسة بروكينغز، وهي مؤسسة فكرية أمريكية ذات نفوذ سياسي كبير، وتتخذ من واشنطن مقرًا رئيسيًا لها.

وبحسب التقارير أقامت المؤسسة، التي ضمّت في إدارتها عددًا من الشخصيات الأمريكية البارزة في إدارة أوباما، ومن بينهم اليهودي الأمريكي مارتن إيندك، الذي كان مسؤولًا عن إدارة المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، فرعًا لها في الدوحة. الأهم، حسب التقارير الأمريكية، أنَّ إيندك شغل لفترتين منصب سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، كما أنه ترأس إلى جانب مؤسسة بروكينجز مركز “سابان”، وهو مركز أبحاث أمريكي متخصِّص في دراسات الشرق الأوسط، أسسه ويموله رجل الأعمال اليهودي- الأمريكي، المولود في مدينة الإسكندرية المصرية حاييم سابان. ولا تستبعد التقارير التي اطلع عليها ترامب أن يكون لتلك العلاقات بالغ الأثر في منح السياسات القطرية مشروعية من إدارة أوباما، حتى إذا كانت تمويل الإرهاب.

إسقاط مبارك

الأخطر من ذلك، بحسب تعبير التقارير هو التحالف غير المعلن، الذي أبرمه أوباما عام 2011 مع القطريين ضد السعودية ومصر، ومعظم من وصفتهم التقارير بحلفاء الولايات المتحدة. وكان هدف أوباما في حينه تغيير هؤلاء الحلفاء عبر استراتيجية الإدارة الأمريكية الجديدة، وهى: تغيير “التحالفات التقليدية”، بنظيرتها الجديدة مع إيران. وخرجت بوادر تحالف أوباما مع القطريين إلى العلن، حينما أدلت وزيرة الخارجية الأمريكية في حينه هيلاري كلينتون بشهادتها أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، وأشادت فيها بقناة “الجزيرة”، وما وصفته بـ”دورها المحوري” في إسقاط مبارك خلال الاضطرابات التي شهدتها مصر عام 2011. وأضافت الوزيرة الأمريكية: “الجزيرة كانت زعيم العالم العربي، ونجحت في تغيير أفكار وآراء عدد كبير من المواطنين العرب”. لم يكن رأي كلينتون مخالفًا لمستشارتها دانا سميث، التي كانت مسؤولة عن العلاقات الإعلامية الدولية في الخارجية الأمريكية، ووصفت القناة نصًا بأنها: “كيان إعلامي مهم، نقيم معها علاقات وتنسيقات رائعة وبالغة الأهمية”.

بروكينجز وقطع المعونات عن مصر

وبعد سقوط الإخوان في 2013، قادت مؤسسة بروكينجز حملة شنعاء ضد نظام السيسي، وانضمت إدارة أوباما إلى تلك الحملة، فكوادر المؤسسة الأمريكية، التي يمولها النظام القطري كما هو معروف، مثلما يموِّل تنظيم الإخوان، حذروا من انضمام الإسلاميين إلى تنظيم “داعش”، إذا دعمت الإدارة الأمريكية سقوط الإخوان، كما أوعزوا لإدارة أوباما بضرورة وقف المساعدات الأمريكية عن مصر، حتى تُمهّد الطريق أمام عودة الإخوان للحكم مجددًا.

وبحسب التقارير، لم يكن التحالف بين إدارة أوباما وقطر، بعيدًا عن نظيره الذي أبرمته الإدارة ذاتها مع تركيا وإيران ضد الأنظمة العربية. إلا أنّه في الوقت الراهن، وبعد رحيل أوباما ورجاله، وأزمة البقاء في الحكم التي يعانيها النظام الإيراني، كان بديهيًا أن يخرج الأتراك والإيرانيون من مغارتهم ويدعمون قطر في أزمتها مع الدول العربية والخليجية، ولم يكن مستغربًا أن ترسل طهران عناصر من الحرس الثوري الإيراني لتأمين تميم بن حمد، أو يصادق البرلمان التركي على السماح لأردوغان بإرسال قوات إلى قطر “بحسب ما نشرته صحيفة عاجل”.